مصير الاتفاق النووي الأمريكي – الإيراني لم يحدد بعد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/4/2015
السورية نت

كتب الكثير من التحليلات في الآونة الأخيرة عن مضمون الاتفاق النووي الأمريكي- الإيراني وكذلك عن تداعيات هذا الاتفاق إقليمياً ودولياً، لكن معظم هذه الكتابات كانت تتجاهل حقيقة أنّه لم يتم التوقيع على الاتفاق النهائي بعد، وبالتالي لم تحتط لإمكانية فشله، بل تم التعامل معه وكأنّه قد تم وأصبح أمراً محسوماً، فيما يقول الواقع إنّه وإلى أنّ يتم التوقيع عليه رسمياً حتى نهاية حزيران المقبل، فإن إمكانية فشله تبقى قائمة فعلاً.

يجادل بعض الذين يعتبرون أنّ الاتفاق قد حصل فعلاً وأنّ المتبقي هو التفاصيل التقنية التي سيتم حلّها خلال الفترة المقبلة، وأنّ الطرفين (أمريكا وإيران) قد صرفا الكثير من الاستثمار السياسي والدعائي في الفترة الماضية وإن ذلك يعد ضمانة لكيلا يفشلا الآن، فالفشل ليس خياراً لهما.

هذا الكلام صحيح إلى حد ما، لكن الصحيح أيضاً أنّ الأيام القليلة الماضية أظهرت على الأقل كمّ العمل المطلوب منهما لجسر الهوّة التي بدت سحيقة في الاتفاق المزعوم الذي أُعلن عنه في 2 أبريل الحالي.

في مقالنا السابق المنشور تحت عنوان "نقاط الاختلاف بين الروايتين الإيرانية والأمريكية للاتفاق النووي" يظهر بوضوح أنّ هناك على الأقل خمسة مواضيع جوهريّة أساسيّة يوجد اختلاف جذري حولها في الاتفاق المزعوم.

هذا الاختلاف يظهر مدى التناقض في فهم الطرفين لقضايا أساسية من غير الممكن لأي اتفاق أن يقوم دون حلّها، أبرز هذه القضايا على الإطلاق:

1) موضوع العقوبات: وقد أبدى الإيرانيون خلال الأيام القليلة الماضية موقفاً تصاعدياً متشدداً فيه حيث أعلنوا صراحة أنّه لا اتفاق من دون رفع كل العقوبات المفروضة على إيران دفعة واحدة في يوم واحد. وهذا تصعيد يضع كل المفاوضات على المحك لأنه سيكون من الصعب للقادة الإيرانيين التراجع عنه أمام جمهورهم بعد أن كانوا قد أعلنوا عنه. عدا عن أنه يتناقض بشكل كامل مع مفهوم الضمانات.

2) موضوع التفتيش والتحقق: وهو أيضاً موضوع من الممكن له أن ينسف المفاوضات أو يفرغ الاتفاق غير السوي أصلاً من مضمونه بشكل كامل. وكما موضوع العقوبات، فقد اتخذ الإيرانيون في الأيام القليلة الماضية موقفاً متشدداً يتناقض مع مفهوم التفتيش الدقيق ونظام التحقق بحيث قرروا أنّه لا يمكن أن يفتحوا مواقعهم العسكرية للتفتيش، واعتبر الجنرال حسين سلامي، نائب قائد «الحرس الثوري» الإيراني، أن تفتيش منشآت عسكرية إيرانية هو "بمثابة احتلال".

قبل عدّة أيام كتب وزير خارجية الولايات المتّحدة السابق جايمس بيكر مقالاً عن الاتفاق النووي في صحيفة "وول ستريت جورنال" تحت عنوان: "الاتفاق النووي مع إيران يحتاج إلى الكثير من العمل- الكثير منه" في إشارة منه إلى حجم الثغرات الكبيرة الموجودة فيه والتناقض بين الطرفين في فهمه. وبذلك يصبح بيكر ثالث وزير خارجية أمريكي سابق يشكك في الاتفاق بعد كل من هنري كيسينجر وجورج شولتز .

النقطة الأبرز والتي سبق وأن أشرنا لها في مقال سابق، هي أنّ الاتفاق لا يمنع إيران من امتلاق قنبلة نووية ولكنه قد يؤخرها فترة زمنية قصيرة، وبهذا المعنى فإن إزالة العقوبات أمام إيران يعني التنازل عن شيء دائم مقابل وقف مؤقت في سعي إيران لامتلاك القنبلة النووية.

في محاولة من إدارة أوباما لتعزيز موقفها في المفاوضات المقبلة والتخفيف من سقف التوقعات الإيرانية إزاء المزيد من التنازلات الأمريكية، ركّزت العديد من المنافذ الإعلامية على خبر كان قد نشر في 3 أبريل الجاري يفيد بأنّ البنتاغون جاهز إذا انهارت المفاوضت بعدما اختبر قنابل خارقة للتحصينات بتعديلات جديدة تجعلها الأقوى على الإطلاق، في إشارة إلى أنّ خيار قصف المنشآت النووية الإيرانية على الطاولة.

لكنّ مناورة الإدارة الأمريكية هذه تعاني من مشاكل جوهرية، لعل أبرزها قيام روسيا بإعادة تفعيل صفقة منظومة (اس-300) للنظام الإيراني، وهي قد لا تمنع هجوماً أمريكياً إذا ما قررت الإدارة الأمريكية ولكنها قد تصعّبها وترفع من تكالفيها. وحتى إذا اعتبرنا أنّ هذا العنصر غير موجود أصلاً وأن روسيا تراجعت، فإن المنطق الأمريكي نفسه يعاني من خلل.

هل أوباما جاد في وضع الخيار العسكري على الطاولة؟ من تابع سلوك الرئيس الأمريكي من مجيئه إلى البيت الأبيض وحتى اليوم يدرك أنه غير جاد وأنّ كل التنازلات التي قدمها أصلاً هي في سبيل عدم اللجوء إلى خيار عسكري، لا بل إنّ منطقه يقوم على أنّه لا يريد أن يستخدم حتى منطق التهديد بالقوة أثناء المفاوضات، في وضع أشبه بمن يقدم الجزرة من دون العصىا، إلى أن يصل إلى مرحلة يفقد معها النتائج المتوقعة من استخدام الإثنين معاً، حيث لن تنفعه لا الجزرة ولا العصا.

لكنّ هذا الموقف بالتحديد هو ما قد يدفع الإيرانيين للتصلّب والتشدد أكثر في مواقفهم، وهو الأمر الذي قد يضع الطرف الآخر في موقع من اثنين: إما أن يقدم المزيد من التنازلات وإما أن يوقف هذه التنازلات عبر تنفيذ التهديد باستخدام القوة. على العموم المرحلة القادمة ستعطينا فكرة أوضح عن الخيار الذي سيذهب إليه الطرفان، علماً أنّ إيران أثبتت دوماً في عالم المتغيرات أن ثابتها الوحيد هو استغلال الوقت وتنفيس الضغط قبل الانفجار.

تعليقات