مطالب وطنية متواضعة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

في أحد الأيام من عام ١٩٨٤ توجه صديق صاحب دار نشر إلى مدير بريد مدينة دمشق لمقابلته، بناء على واسطة مسبقة قام بها رئيس اتحاد الفلاحين خدمة له، من أجل الحصول على صندوق بريد فقط. بعد استقباله المميز، وكان سابقاً قد رفض رؤيته، سأل صديقي حضرة المدير: "معقول يا أستاذ أن كل مواطن سوري يحتاج إلى مجرد علبة حديد لتكون صندوقاً لاستقبال رسائله، عليه أن يبحث عن واسطة، طيب الإنسان العادي الذي لا يعرف مسؤولاً يتواسط معكم، ماذا يفعل، أين هي المصلحة العامة؟".

ابتسم المدير قائلاً: يا رفيق، مجموع الواسطات هي المصلحة العامة، وهم المواطنون.

لم يكن هذا كلاماً في الفراغ، ولا لمجاملة صاحب الواسطة، الذي أعيته الوسائل للحصول على حقه البسيط بامتلاك صندوق بريد، وعندما عجز اكتشف أن لا مجال أمامه إلا استعمال الواسطة، ومن حسن حظه أنه كان قريباً لأحد المسؤولين. كان هذا هو القانون العام غير المكتوب الذي تسير عليه الدولة السورية في حكم الأسدين. بل إن الأمر أكثر من ذلك وأعقد، فحتى أصحاب المصالح الخاصة الذين لا يحتاجون خدمات الدولة، كان عليهم التواسط من أجل أن يمارسوا مهنهم وفتح دكاكينهم أو عياداتهم أو مكاتبهم، بل وحتى بسطاتهم التي يبيعون عليها الفلافل أو الخضروات.

في الفترة نفسها ذهبت من حمص إلى دمشق في حاولة فاشلة لإجراء عملية جراحية لاستئصال الغدة الدرقية الملتهبة في مشفى المواساة، ورغم الواسطات الصغيرة لم أستطع دخول المشفى، فقابلت صديقي الناشر نفسه الذي ورد ذكره قبل قليل، عله يجد لي واسطة كما وجد لنفسه من أجل الحصول على صندوق البريد، فقال لي سنذهب إلى أحد "الأثرياء الريفيين الجدد" الذي لا يزال يحن لأصوله البروليتارية، عله يساعدك، فهو لا يكف عن التنظير عن "الطبقة العاملة" والفقراء. عند وصولنا إلى المكتب طلب صديقي من الرجل أن يساعدني لدخول المشفى، استغرب الرجل، غير مصدق أنني لا أعرف أي مسؤول، ثم سألني: ولا ضابط، وهم على "دناب" الكلاب؟ بقيت صامتاً فرد صديقي عني يؤكد أنني لا أعرف، وعد الرجل خيراً، ولكن كان واضحاً أنه لن يفعل شيئاً من أجل مواطن هامشي وعادي إلى هذه الدرجة.

تذكرت الحادثتين السابقتين عندما كتب الشاعر إبراهيم الجرادي في أحد منشوراته: "إلى ميخائيل سعد، منذ عرفتك ومطالبك "الوطنية" متواضعة للغاية، وبسيطة للغاية."

ما إن قرأت الجملة حتى كدت أزعل من إبراهيم الذي انقضى على لقائي به أكثر من ربع قرن، فقد فهمت منها الجانب السلبي، الذي يعني أنني لم أكن الأول في الترتيب الوطني والمصالح الشخصية المعقدة، أي لم أكن بطلاً بالمعنى السياسي المعارض. ثم تداركت نفسي، وراجعت فهمي لقول الشاعر الصديق فاكتشفت كم كانت نظرة ثاقبة من شاعر، وقصيدة مديح لي لا مثيل لها، أن يصفني بصفات حاول آل الأسد على مدى ٤٥ عاماً حذفها من قاموس حياة السوريين. فقد كانت سياسة الأسد واضحة منذ البداية وتتلخص في إلغاء "العادية" من حياة المواطن السوري، وتحويل كل شيء إلى "استثناء"، لأن الإنسان العادي صاحب المطالب الوطنية العادية قد يتجرأ يوماً على التفكير بالسياسة وبالحكم وبنقد الممارسات التعسفية للنظام، و يندد بالممارسات الطائفية، وسياسة التجويع والإذلال المتبعة بحق السوريين، وإذا بقي الإنسان "العادي" عادياً، فكيف سيتم  قبول اللص كشخص شاطر، والذي يقوم بعمله بالغشيم، وتطويب سوريا لتصبح ملكاً لآل الأسد، وتصبح سوريا هي "سوريا الأسد"، ويصبح الرئيس هو "قائدنا إلى الأبد"، إلى أن يصبح وصول "الوريث" بعد موت "القائد" أمراً طبيعياً لا يستحق التفكير به وبمناقشته، على ما ذكر ياسين الحاج صالح في إحدى مقالاته.

الحقيقة أن مطالبي في الحياة كانت عادية، مثل مطالب كل السوريين؛ أن أذهب كل يوم إلى عملي وأعود منه سالماً إلى عائلتي دون إهانات، وأن أحسن تربية أولادي، أن أسعد بزواجهم، وأن يكون لي أحفاد يلعبون معي عندما أزورهم، وأصدقاء يجتمعون حولي أطلب مساعدتهم عند الحاجة، وألبي مطالبهم للمساعدة عندما أستطيع، هذه هي بعض حاجاتي الطبيعية البسيطة، وهي في الوقت نفسه حاجاتي الوطينة ومطالبي المتواضعة، وهي رغم كل بساطتها وتواضعها أصبحت من المحرمات في عهد الأسدين، بل يمكنني القول إن ممارستها كانت تتطلب شجاعة وبطولة، قد تكلف صاحبها حياته. ماذا فعل أهل درعا غير ممارسة مطالبهم العادية عندما ذهبوا إلى فرع المخابرات العسكرية يطلبون أطفالهم المعتقلين؟ فتمت إهانتهم وإذلالهم بأبشع ما يمكن أن يكون الإذلال، رغم أن ما فعلوه لا يتعدى المطالبة بأطفالهم، فالأمر العادي والطبيعي والإنساني أن ينام الأطفال في بيوت أهاليهم لا في زنزانات "الوطن"، إلا أن ردة فعل نظام الأسد كانت بهذه القسوة لأن الأطفال عندما كتبوا على جدران المدارس شعارات الحرية، قد مارسوا حياتهم العادية وعبروا عن مطالبهم الوطنية المتواضعة التي تمثل أيضاً رغبة السوريين باسترجاع الحرية التي اعتقلها النظام، عندها جن جنون النظام وبدأ قتل السوريين الذين خرجوا من بيوتهم، دون واسطة، مطالبين بالحرية وبممارسة الحياة العادية، وبما أن من لا واسطة عنده ليس مواطناً، على حد تعبير مدير البريد، فقتله أيضاً لا يحتاج لتفكير.

وإذا كانت رغبتي المتواضعة في الحياة الطبيعية قد أوصلتني إلى السجن مرتين، وإلى اللجوء في كندا قبل ربع قرن، فإنها قد أوصلت نصف مليون سوري إلى القبر الآن، وهجرت عشرة ملايين سوري داخل سوريا وخارجها، وهدمت ربع منازل سوريا على رؤوس أصحابها، ورمت أربعة ملايين طفل سوري خارج المدارس، كل ذلك لأن السوري حاول أن يعيش حياته العادية دون أن يضطر لأن يكون عميلاً لأحد أجهزة المخابرات.