معركة جديدة تخوضها الليرة السورية أمام الدولار.. سياسات "خاطئة" وعقوبات أثقلت اقتصاد الأسد

عملة نقدية سورية وأجنبية (رويترز)
الخميس 05 سبتمبر / أيلول 2019

تكاد الليرة السورية تخوض اليوم إحدى أكبر معاركها أمام الدولار على مدى السنوات الماضية التي شهد فيها قطاع الاقتصاد السوري تدهوراً وضعفاً شكلياً وبنيوياً، حتى بات الدولار الواحد يعادل اليوم 640 ليرة سورية، في ظل عجز حكومي واضح عن النهوض بالليرة وانتشالها من القاع.

وفي وقت سابق شهدت فيه الليرة السورية انتعاشاً مؤقتاً مطلع عام 2017، أرجعه النظام السوري حينها "للنصر" الذي تحققه قواته على الأرض، يتحدث النظام ذاته اليوم عن "حرب كونية" و"مؤامرات اقتصادية" تخوضها دول العالم لإضعافه وسلبه حكم البلاد، دون أن يثمر دعم حلفائه اقتصادياً له.

إذ سجل سعر صرف الليرة السورية، مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، أدنى مستوى له (640 للمبيع و637 للشراء)، منذ يونيو/ حزيران عام 2016 حين تجاوزت الليرة في ذلك الوقت حاجز الـ 645 مقابل الدولار الواحد.

عقوبات دولية.. ذريعة للأسد أم تقويض فعلي له؟

يرى المحلل الاقتصادي يونس كريم أن سبب التدهور الأخير لليرة السورية يعود إلى عاملين، أحدهما بنيوي داخلي والآخر خارجي، إذ يرتبط العامل البنيوي بسياسات مالية خاطئة اتبعها البنك المركزي عامي 2018 و2019، وكذلك وزارتي المالية والاقتصاد التابعتين للنظام السوري.

وقال كريم في حديث لموقع "السورية نت" إن تلك الجهات أصدرت قرارات اقتصادية وتجارية من شأنها إضعاف الليرة السورية، ومن بين تلك القرارات تطبيق سياسات جمركية مرتفعة التكاليف على التجار، ما أدى إلى اختفاء بعض السلع من السوق وارتفاع التضخم وانخفاض سعر صرف الليرة، وكذلك قرار رئاسة الوزراء في حكومة النظام المتعلق بتحديد قوائم المستوردات.

وأضاف أن السبب الداخلي الأبرز لتدهور الليرة السورية هو إدارة البنك المركزي من قبل حازم قرفول، الذي لم يستطع تطمين المواطنين السوريين تجاه الليرة السورية، وأصدر تعليلات عن تدهور الليرة لا ترقى للمستوى المهني على الأقل، من وجهة نظر المحلل الاقتصادي يونس كريم.

أما عن الأسباب الخارجية، يرى كريم أن العقوبات الأمريكية- الأوروبية التي فُرضت تباعاً على النظام السوري كان لها دور بارز في تضخيم الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها النظام بالأساس والتي انعكست سلباً على المواطنين.

وكانت الولايات المتحدة أقرت مطلع العام الجاري ما يعرف بقانون "قيصر" والذي يقضي بفرض عقوبات على رئيس النظام السوري والحلفاء الداعمين له، وتركزت العقوبات ضمن القطاعين المصرفي والنفطي، وشملت أي شركة تتعاون مع النظام السوري تحت أي ظرف، وكذلك توسعت قائمة العقوبات الأوروبية السوداء لتشمل معظم الوزراء في حكومة النظام الأسد.

وبهذا الصدد، قال المحلل الاقتصادي يونس كريم إن الولايات المتحدة كانت تكتفي بالعقوبات "الذكية" عبر فرضها عقوبات على بعض الشخصيات الداعمة لنظام الأسد بحيث تترك شخصيات أخرى خارج العقوبات وتضعها على هامش المناورة، أما اليوم شددت واشنطن عقوباتها على الأسد والشخصيات التابعة له وأعاقت حصوله على الأموال اللازمة، ما أضعف الليرة السورية.

وتابع "كان النظام يعول على فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن من أجل إبرام صفقات اقتصادية مع شركات أوروبية وخليجية عن طريق طرف ثالث (الأردن) لتلافي العقوبات الأمريكية، إلا أن ذلك لم ينجح نتيجة تشديد واشنطن لتلك العقوبات".

"سيريا ريبورت" تشرح أسباب التدهور

مع بدء تدهور الليرة السورية أصدرت النشرة الاقتصادية الإلكترونية "سيريا ريبورت" تقريراً، الثلاثاء الماضي، حددت فيه عوامل وأسباب انخفاض قيمة الليرة السورية، وجاء فيه أن أحد أبرز الأسباب هو ارتفاع الطلب على الدولار في لبنان على اعتبار أن بيروت "تعد سوقاً أساسية للدولار بالنسبة للمستوردين السوريين الذين يستخدمون النظام المصرفي اللبناني للقيام بعملياتهم التجارية".

وأضاف التقرير، الذي نشره موقع "فرانس 24" الفرنسي، أن بعض الشائعات لعبت دوراً سلبياً خلال الأيام الماضية وتتعلق بوجود توترات بين رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وابن خاله رجل الأعمال رامي مخلوف، أحد أكثر المستثمرين نفوذاً في سورية.

واعتبرت "سيريا ريبورت" أن ميزان المدفوعات والميزان التجاري السوري "في حالة سيئة كون قدرة الإنتاج المحلي مدمرة بشكل كبير، وهناك حاجة للواردات لملاقاة الطلب المحلي"، بحسب ما ورد في النشرة.

معارك إدلب.. كيف أثرت على الليرة؟

يتزامن انخفاض قيمة الليرة السورية مع الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري بدعم روسي على مناطق ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، منذ أبريل/ نيسان الماضي، وسط تقدم النظام على الأرض وسيطرته على قرى وبلدات عدة في المنطقة.

ذلك كله أثر بشكل أو بآخر على واقع الليرة السورية، التي ثبتت لفترة طويلة عند حاجز 500 ليرة مقابل الدولار منذ ديسمبر/ كانون الأول 2018، إذ إن استعادة النظام السوري لمناطق كانت بيد المعارضة حرمه من أموال المانحين الدوليين والمنظمات الإنسانية التي كانت تدعم تلك المناطق بالقطع الأجنبي، والذي يصب في نهاية المطاف بالبنك المركزي التابع للنظام، بحسب ما يرى المحلل يونس كريم.

وأضاف "استعجال الروس للسيطرة على إدلب حرم النظام من القطع الأجنبي الذي هو بحاجة ماسة إليه، إذ لم يأخذ النظام وقتاً كافياً لإيجاد موارد بديلة عن الأموال التي كانت تأتيه من مناطق المعارضة".

وكان النظام السوري يعول على افتتاح الأمم المتحدة مكاتب لها في دمشق لإدارة الملفات الإنسانية منها، إلا أن العقوبات الأمريكية واستعجال الروس لمعركة إدلب حرم النظام من أهم موارد القطع الأجنبي التي كان يعول عليها في حال توسعت دائرة سيطرته على البلد.

أما "مركز دمشق للأبحاث والدراسات" (مداد) توقع في أغسطس/ آب الماضي، أن تستقر الليرة السورية عند مستوياتها بفعل معارك إدلب وتقدم قوات النظام السوري على حساب المعارضة، إلا أن ذلك لم يحدث.

وجاء في التقرير الأسبوعي لمركز "مداد": "من المتوقع استمرار التحسن في سعر صرف الليرة السورية في حال تم تثبيت الهدنة المتفق عليها في أستانة، وتراجعت حدة الاندفاع التركي العدواني تجاه مناطق الشمال السوري".

ويعرف مركز "مداد" نفسه بأنه "مؤسسة بحثية مستقلّة، تأسّست عام 2015، مرخصة من المجلس الوطني للإعلام تحت رقم 66/4/ ومقره مدينة دمشق".

فاتورة الحرب.. كابوس إيراني- روسي يلاحق الأسد

باعتبارهما أبرز الداعمين للنظام السوري سياسياً وعسكرياً، حاول الروس والإيرانيون تحصيل مكاسب من الخارطة الاقتصادية السورية والحصول على فاتورة مرتفعة الثمن من النظام لقاء بقائه في السلطة، حيث نتج عن ذلك استحواذ روسيا وإيران على قطاعات اقتصادية سورية تعتبر مصدراً للقطع الأجنبي، ومن بينها الموانئ والسكك الحديدية والطرقات والمطاحن والأسمدة والزراعات، ما أفقد النظام إمكانية التحكم بالقطع الأجنبي وحماية الليرة السورية، عبر إبرامه عقود اقتصادية طويلة الأمد مع الدوليتن.

كما أن فقدان حكومة النظام السوري معظم العقود السيادية في البلد، لصالح الروس والإيرانيين، جعل المستثمرين الأجانب يعتقدون أنه لا فائدة من الاستثمار داخل سورية، كون استثماراتهم ستكون مهددة من قبل أحد أطراف النزاع (روسيا وإيران) الذي يسعى لاحتكار اقتصاد البلد، وفقاً ليونس كريم.

ويرى المحلل الاقتصادي أن روسيا وإيران عاجزتان عن دعم الليرة السورية والتدخل في سعر الصرف، كونهما تخضعان لعقوبات أمريكية وأوروبية أيضاً، كما أنهما لن تتنازلان عن الملف الاقتصادي لصالح النظام السوري بسبب طول أمد الحرب ارتفاع تكاليفها، وفي ظل انتقادات شعبية داخلية تتعرض لها روسيا وإيران من قبل مواطني الدولتين.

حلول قد يلجأ إليها النظام

يشهد الشارع السوري تشاؤماً حيال انخفاص سعر صرف الليرة السورية، وسط توقعات بارتفاع أسعار الخدمات والسلع في الأسواق المحلية، كما هو معتاد، خاصة أن قيمة الليرة انخفضت بنسبة 26% منذ مطلع العام الجاري وحتى سبتمبر/ أيلول الجاري، إذ كان الدولار الواحد يعادل 500 ليرة سورية مطلع 2019.

وبحسب المحلل الاقتصادي يونس كريم قد تلجأ حكومة النظام السوري إلى إجراءات عدة لإنقاذ الوضع وتهدئة الشارع، ومن بينها إبرام عقود اقتصادية مع المشاركين في معرض دمشق الدولي بدورته الـ 61، المنعقدة حالياً، كما أنه سيسعى إلى تحييد روسيا عن الملفات الاقتصادية السورية وتحجيم دورها، لكن محاولاته مهددة بالفشل.

وتوقع كريم أن تتم إقالة حاكم البنك المركزي، حازم قرفول، واستبداله بشخصية أخرى على دراية أكبر بالوضع الاقتصادي في البلد، مشيراً إلى ضغوط شعبية ستتعرض لها حكومة النظام السوري من قبل المواطنين، الذي قد يواجهون تحديات وأزمات كبرى هذا العام.

المصدر: 
السورية نت