معركة حلب ستحدد مستقبل الدول الأوروبية

صورة ناتالي نوغايريد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

7/2/2016
The Guardian

(ترجمة السورية نت)

ستتخذ الحرب في سورية منعطفاً جديداً مع عواقب بعيدة المدى ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى الدول الأوربية أيضاً في حال سقطت حلب، وخاصة بعد الهجمات الشرسة التي يشنها النظام السوري عليها، والذي تسبب بهروب عشرات الآلاف من الناس، حيث تمثل حلب النقطة الحاسمة بالنسبة للعلاقات بين الغرب وروسيا التي تلعب دوراً حاسماً في هذا الهجوم من خلال سلاحها الجوي.

إن هزيمة الثوار السوريين الذين يسيطرون جزئياً على هذه المدينة منذ عام 2012، سيترك المنطقة بأيدي "الدولة الإسلامية" ونظام الأسد، وبالتالي سيتلاشى كل أمل في التوصل إلى تسوية تفاوضية تشمل المعارضة فيها، وهذا ما تسعى له روسيا منذ فترة طويلة، فكان سبباً لتدخلها العسكري في سورية منذ أربعة أشهر.

لم يكن قصف حلب التي تمثل رمزاً للثورة السورية المناهضة للأسد عام 2011 بالتزامن مع بدء محادثات السلام في جنيف من قبيل المصادفة، وإنما كان التصعيد العسكري الروسي لدعم الجيش السوري مقصوداً لتخريب أي دور مستقبلي للمعارضة السورية في سورية والعمل على تعطيل العملية السياسية لإنهاء الحرب، ومن خلال ذلك لابد أن يستشعر القاصي والداني بالهزات الارتدادية الناجمة عنها اتجاه الدولة الأوربية والتي من المستحيل أن تكون محمية من آثار النزاع في الشرق الأوسط، فروسيا ليست صديقة لأوروبا، وإنما هي قوة رجعية قادرة على العدوان العسكري، والصراع في أوكرانيا خير مثال على ذلك.

وقد بينت الأحداث الأخيرة حقيقة الصلة بين المأساة السورية والاستراتيجية المتبعة من قبل موسكو لإضعاف الدول الأوروبية والغربية عموماً، حيث تسعى روسيا لعدم استقرار المنطقة والعمل على اشعالها من أجل استغلالها لمحاربة أعدائها.

 وتهدف معركة حلب للقضاء على قوى المعارضة السورية التي يسعى الغرب لتقويتها والاعتماد عليها لمقاتلة داعش، وبالتالي ستقوي الأخيرة وتعزز أسطورتها على أنها الجهة الوحيدة المدافعة عن المسلمين السنة التي في الحقيقة تقوم على إرهابهم. وإذا كان هناك أي شكوك حول أهداف روسيا في سورية، فقد أوضحتها الأحداث حول حلب بالتأكيد.

ويسعى فلاديمير بوتين لتطبيق النموذج الشيشاني في سورية، من خلال هجومه العسكري الشرس على المناطق المأهولة بالسكان لتدمر الثوار أو اجبارهم على الخروج، والقضاء على التسوية السياسية ومن ثم تعيين زعيم وفق اختياره، وذلك من خلال دمج المعارضة المعتدلة مع الجماعات الإرهابية والعمل على القضاء عليها، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك تسوية في سورية مع المعارضة.

ولكن الاستراتيجية الروسية تذهب أبعد من ذلك بكثير، فبوتين يريد تثبيت قوة روسية في الشرق الأوسط، ولكن أنظاره تتجه إلى الدول الأوربية، حيث جاءت اللحظة الفارقة عام 2013 عندما تخلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن الضربات الجوية ضد قواعد الأسد العسكرية بعد استخدامه الأسلحة الكيميائية، مما شجعه ذلك على اختبار العزم الغربي في القارة الأوربية، من خلال استخدامه للقوة في الحرب الأوكرانية وضمه للأراضي، وفعلاً لم يستطيع الغرب الوقف في وجهه، وكنتيجة لذلك هزت السياسات الروسية أركان النظام الأمني في أوروبا منذ أيام الحرب الباردة، والتي يرغب بوتين لاستعادة أمجادها.

وبالفعل التدخل العسكري الروسي قد وضع حلف الشمال الأطلسي في مأزق، مع وجود أحد أعضائه الأساسيين على الخطوط الأمامية في المعركة، فالعلاقات التركية الروسية على حافة الهاوية، وموسكو الآن تحذر تركيا علناً من إرسال قوات إلى سورية للدفاع عن حلب، وبغض النظر عن كيفية الرد التركي إلا أنه سيسبب صداع غربي آخر.

كل هذا يحدث في الوقت الذي تكون فيه الحكومات الأوروبية يائسة لكسب تعاون أنقرة لحل مشكلة اللاجئين، وإذا تحولت تركيا الآن إلى دولة مفتعلة مشاكل بالنسبة لحلف الناتو في جناحها الشرق أوسطي، فهذا سيخدم المصالح الروسية. وبالمثل، إذا واجهت أوروبا موجة جديدة من اللاجئين، فإن روسيا ستستفيد.

 وقد زرعت أزمة اللاجئين انقسامات عميقة في القارة، وساعدت الأحزاب اليمينية على الازدهار – كثير منهم حلفاء سياسيين لموسكو ضد الاتحاد الأوروبي كمشروع. وقد وضعت أزمة اللاجئين المؤسسات الرئيسية في الاتحاد الأوروبي تحت الضغط. وقد زادت من خطر اليمينيين (وهو الأمر الذي سترحب به موسكو)، مما أضعف أنجيلا ميركل، التي صممت العقوبات الأوروبية ضد روسيا.

وبالطبع، فإنه سيكون من قبيل المبالغة القول إن بوتين قد خطط لكل هذا منذ البداية. فقد تمت قيادته من قبل الأحداث بقدر رغبته في السيطرة عليها. روسيا ليست مسؤولة عن اندلاع الحرب الأهلية في سورية، ولا تملك في يدها زمام الأمور في أوكرانيا. ولكن الطريقة الساخرة التي لعبت بها روسيا بيادقها كان يجب أن ترسل المزيد من أجراس الإنذار إلى الغرب والأمم المتحدة مما هو موجود الان.

بوتين يحب تصوير نفسه على أنه رجل نظام، ولكن سياساته جلبت المزيد من الفوضى، ويجب على أوروبا دفع الثمن المتزايد. وجعل النظام الروسي يتصرف بطريقة مختلفة يتطلب أكثر من التمني.

حلب هي مأساة إنسانية متكشفة. ولكن لابد من الربط بين نقاط محنة هذه المدينة، ومستقبل أوروبا، وكيف تحوم روسيا فوق الاثنين.

تعليقات