معركة حوران خط زلزال المنطقة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

05/ 03/ 2014
الحياة
المؤلف: 

تشكل معركة حوران الموعودة، إذا صدقت التقديرات، حدثاً نوعياً في مسار الصراع السوري، وذلك بالنظر الى ما ستفرزه من وقائع وتداعيات، وبما ستؤسسه من ترتيبات ومناخ جديد. وتذهب بعض التقديرات إلى حد إمكانية تغيير المشهدين الإستراتيجي والسياسي في المنطقة برمتها.
اللافت أن هذه المعركة، التي بدأت بعض ملامحها بالتبلور، هي بالدرجة الأولى وليدة سياق سياسي، إقليمي ودولي معقد، يمتد على خط صدع العلاقات الدولية من كييف في أوروبا إلى بحر الصين شرقاً امتداداً إلى مضيق هرمز وشواطئ المتوسط، وذلك بالنظر الى حالة التشبيك التي باتت تربط ملفات الصراع في هذه اللحظة الدولية، وطبيعة التغذية الراجعة التي يحدثها كل ملف من ملفات الصراع في نظائره، وتأثير ذلك في طبيعة الإستراتيجيات الدولية وكيفية الانتقال داخل خريطة تلك الملفات واستغلال عناصرها وحجم التواجد وتكثيف الضغط وهوامش الانسحاب.
والواضح، حتى اللحظة، وجود حشد واستنفار على الجبهة السورية بين فرقاء الصراع الإقليميين والدوليين، وبخاصة بعد فشل مؤتمر جنيف وإعلان واشنطن نيتها البحث في خيارات بديلة. فالواضح أن واشنطن تجري تعديلاً يكاد يشبه القطع مع سياستها السابقة تجاه الأزمة السورية، وتبدو مدفوعة لتبني خيارات واقعية وعملانية، في الوقت نفسه، نتيجة يأس إدارة اوباما من تعاون الشريك الروسي بعد أن تكشّفت مساعي موسكو في الانقلاب على التفاهمات الدولية وتشكيل مشهد إستراتيجي، بواسطة الخداع والتسويف، تجد واشنطن نفسها من خلاله في وضع تكون مضطرة فيه لتقديم تنازلات أو الرضوخ لأمر واقع.
ولعل إطلالة على الوضع المتوتر في سورية كفيلة بتوضيح جزء كبير من المشهد والترتيبات الحاصلة، حيث تكشف المؤشرات المتوافرة على مقلبي الصراع السوري عن وجود نيّة جدية للتحرك داخل سورية، حيث يجرى الإعداد لمعركة كبرى تنطلق من المناطق المحررة في درعا، وهي مناطق متاخمة للأردن، وتشكل قوساً جغرافياً مع القنطرة وريف دمشق في الغرب والغوطة الشرقية والبادية في الشرق، ويمكن ربطها بمناطق القلمون، مما يعني انه، في حال نجاح هذه المناورة الكبرى، ستصبح دمشق بين فكي كماشة، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل قدرة القوات النظامية على الحركة والانتشار، ويضع النظام وحلفاءه أمام خيارات مختلفة.
في المقابل يحشد حلفاء النظام لهذه المعركة، التي بدأوا يستشعرون خطورتها السياسية، وهو ما دفع الحليف الروسي إلى تكثيف دعمه، الذي لم يعد يقتصر على المعدّات والأسلحة التي يوردها عبر مرفأ طرطوس بغزارة، وإنما إرساله ضباطاً من الجيش والاستخبارات لإدارة مسرح العمليات.
وتدلل طبيعة الحشد والاستعدادات الجارية على حجم الرهانات التي يبنيها فرقاء الصراع على هذه المعركة، وطبيعة رؤيتهم لأثرها في حركية الصراع ومستقبله. من هنا يتضح أن هذه المعركة تساوي بالمعاني السياسية والعسكرية ما يتم وصفه بكسر العظم. ولأن هذا النمط من المعارك لا يتم قياسه بالمسطرة، بمعنى انه لا يمكن التحكم بتداعياته حيث تبقى مفتوحة على أفق واحتمالات لا يمكن توقعها، كما أن تطوراته تستدعي على الدوام استجابات موازية، ذلك أن الطرف الخاسر يصعب عليه تحمل نتائجها الفارقة.
بيد أن خطورة هذه المعركة من كونها تدور على خط الصدع الإقليمي، فهي ستشكل المواجهة العسكرية الأولى بين قطبي المنطقة، ما كان يسمى حلف الاعتدال وحلف الممانعة، فهذه المرة يتواجه الطرفان على خط القتال وجهاً لوجه من دون أقنعة أو حتى واسطة، كما أن الطرفين المباشرين فيها، الأردني والسوري، سيضطران إلى تغيير قواعد الاشتباك بينهما، وهي القواعد التي تأسست مع وصول حافظ الاسد إلى السلطة عام 1970 والتي انتظمت ضمن أطر أمنية بحتة، وكان يجرى احتواء التوترات التي تحصل بين الطرفين عبر الآليات الديبلوماسية، مباشرة أو بالواسطة، خصوصاً ان جزءاً من مرحلة الصراع تلك جرى في زمن الاستقطاب الدولي حين كان البلدان يشكلان خطوط تماس شرق أوسطية بين القوتين العظميين حينها، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السابق.
لا شك في ان هذا التغيير سيشكل علامة فارقة، ليس في العلاقات الحالية، وإنما في ما يخص مستقبل سورية والترتيبات المقبلة، وما كان ليحصل لولا وجود ضمانات وتفاهمات، والأهم حصول تغيير نوعي في الإدراك السياسي لمستقبل الأزمة السورية وأوضاع المنطقة المستقبلية، وإذا كان الأردن يشكل رأس الحربة في هذا التحرك، فلا شك في أن قاعدته واضحة ولا تخفي نفسها، والتي تتكون من دول الخليج وكل من أميركا وفرنسا وبريطانيا، تماماً مثلما هي قاعدة الطرف الآخر واضحة ومكشوفة.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه على هامش هذا المتغير، هل سنكون أمام معركة حاسمة ينجم عنها انتصار طرف واضح يستطيع فرض رؤيته حول مستقبل سورية والصراعات المرتبطة بها، أم مجرد عملية تهدف إلى إنضاج التسويات، ولو بطريقة عنيفة بعض الشيء، والعودة تالياً إلى المسار السياسي بشروط مختلفة؟