معركة داعش المقبلة.. بغداد أم كركوك؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/10/2014
العربي الجديد

لم يسبق أن تناولت الصحافة الغربية حدثاً بهذا الاهتمام والتركيز، كما تناولت خلال الأسبوع المنصرم، اقتراب مسلحي داعش من بغداد، اللهم إلا تركيزها على موضوع امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، قبيل غزوه، في إطار تسويغ وتبرير العملية الكارثية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية المتمثلة باحتلال العراق. فلقد ركزت الصحف على اقتراب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية من العاصمة العراقية، حتى خيّل لنا ولمن يتابع هذا الإعلام الغربي أن بغداد يمكن أن تسقط بيد التنظيم في أية لحظة.

يتذكر المتابع الفطن لأحداث العراق وصعود تنظيم الدولة، جيداً، كيف أن هذا التنظيم اقترب من بغداد، قبل نحو شهرين، بطريقة لم يسبق لها مثيل، حيث وصلت قوات داعش إلى قرية المكاسب، وهي قرية محاذية لمطار بغداد الدولي، ودارت هناك معارك عنيفة، غير أن التنظيم فشل في دخول القرية التي كان يرمي من دخولها إلى إسقاط مطار بغداد، وتعطيل حركته، بقذائف تسقط على مدرجه.

ونتذكّر، أيضاً، كيف أن العشائر العربية السنية دعت، بصراحة، تنظيم الدولة الإسلامية إلى دخول بغداد وحسم الأمر، خصوصاً بعد أن دخل التنظيم في مواجهة غير منطقية مع قوات البشمركة الكردية. ومع ذلك، بقي التنظيم رافضاً مثل هذه الدعوات، ولم يستجب، فحتى ديالى التي دخل بعض مناطقها، عاد التنظيم وانسحب منها، كونه أدرك أن هذه المحافظة المحاذية لإيران، وخاصرة بغداد الأقرب إلى حدود إيران، غير مسموح إيرانياً أن تسقط بيد التنظيم، فدخلت قوات حرس ثوري إيراني وميلشيات قاتلت وحسمت المعركة.

الأكثر من ذلك، كانت سامراء، ولا زالت، بعيدة عن أهداف التنظيم، فعلى الرغم من أنها تقع في محيط سني كامل، إلا أن التنظيم لا يبدو أنه راغب بدخولها، لما يعلمه من أهمية كبرى بالنسبة للشيعة في العراق والعالم، ما يعني أن التنظيم، هذه المرة، يختلف جذرياً عن تفكير تنظيم القاعدة، وإنه يحسب لكل شيء حسابه.

بغداد ليست في حدود أهداف التنظيم، فهو يعرف جيداً أن بغداد قد تكون مستنقعه الذي لن يخرج منه سالماً، وقد تكتب نهايته، فبغداد مدينة باتت، اليوم، ذات غالبية شيعية، وهي أيضاً خط أحمر، لدى كل من إيران وأميركا، وتحصيناتها تختلف عن تحصينات أي مدينة أخرى، كما أنه غير معني بتطهير بغداد من "الصفويين"، كما قد يتوهم بعضهم، لأن لدى التنظيم أهداف استراتيجية أكبر وأهم في هذه المرحلة. وعندما نقول هذه المرحلة، فإننا ندرك جيداً ما نقول، لأن التنظيم يتعامل مع الواقع بشكل مرحلي، لديه استراتيجية قريبة وأخرى بعيدة.

التنظيم لا يبدو معنياً بالرد على هذا الطرف، أو ذاك، في موضوع هدفه القادم، فهو يعتمد السرية التامة، كما إنه يمتاز بقدرة كبيرة على التضليل، فمن الممكن أن يدفع بجزء من قواته إلى منطقةٍ ما، ويدخلها في حالة إنذار قصوى، كما حصل مع بغداد، غير أنه يفكر بمكان آخر.

كركوك، مدينة النار الأزلية، والتي لا تخبو شعلتها دلالةً على وفرة النفط في باطنها، قد تكون الهدف الأكثر منطقية للتنظيم في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا ما علمنا أن للتنظيم موطئ قدم في هذه المحافظة، ووسط غياب أية استراتيجية واضحة لحماية المدينة، سواء من الحكومة المركزية، أو من حكومة إقليم كردستان التي تتواجد قواتها في مناطق عديدة في كركوك.

احتلال كركوك إذا ما تم فإنه سيشكل منعطفاً مهماً وكبيراً في صياغة استراتيجيات المرحلة المقبلة، ليس بالنسبة للتنظيم وحسب، وإنما للتحالف الدولي الذي سيجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع واقع صعب للغاية.

صحيح أن كركوك لن تكون هي الأخرى هدفاً سهلاً للتنظيم. ولكن، على الأقل هي أقل صعوبة من بغداد، فكركوك مدينة مختلطة، فيها نسبة من العرب والأكراد والتركمان، تكاد تكون متقاربة، مع أفضلية كردية في بعض المناطق. وأيضاً، لا تبدو كركوك هدفاً صعباً، حيث أن في وسع التنظيم أن يقطع خطوط الإمداد للقوات العراقية، سواء القادمة من ديالى أو القادمة من تكريت القريبة.

أما موقف الأكراد فإنه، حتماً، سيكون غاية في الشراسة تجاه هذا التطاول من التنظيم على قدس أقداس الأكراد كما يقولون، لكنهم سيجدون أنفسهم أمام وضع معقد للغاية، فالحرب في كركوك يعني أنها حرب قرب آبار النفط، وما يمكن أن يحمله ذلك من مخاطر. احتلال داعش كركوك قد يؤسس لمرحلة الدولة، دولة الخلافة، كما يريدها البغدادي وأتباعه، وقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم العلاقة مع هذا التنظيم.

هناك غموض منطقي يحيط بأفكار هذا التنظيم وخططه، فهو يعتمد، بالدرجة الأساس، على هذا التعتيم، بل إنه يرفض الرد حتى على الاتهامات التي توجه له في قضايا وجرائم، ربما لم يرتكبها، تاركاً هذا العالم يتخبط في تحليل رؤية التنظيم وأهدافه.

لدى داعش اليوم قوة بشرية ومادية، وأيضاً تسليحية، بل ربما أكثر من ذلك قوة استراتيجية بالاعتماد على عقول غير سهلة في التخطيط والتعامل، وبالتالي، لا يمكن بأي حال الاستهانة بهذا التنظيم، والتصرف معه على أساس أنهم مجموعة مغامرين، يؤمنون بفكر متطرف وحسب.