معركة عين العرب كما يراها السوريون

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/10/2014
الحياة
المؤلف: 

لا يختلف الاهتمام السياسي والإعلامي بمعركة عين العرب (كوباني) عن ما حظيت به معارك القصير أو القلمون مثلاً، لكن الفارق أن مواقف السوريين، عرباً وأكراداً، من هذه المعركة تحفل بتناقضات عجيبة وبمفارقات مذهلة، ربما بسبب خصوصية مكوناتها وربما لأنها الأولى التي تجرى بعد دخول قوات التحالف الدولي على خط الصراع السوري.

والحال، على رغم أن معركة كوباني توسم كمعركة كردية خالصة ضد تنظيم «داعش»، وعلى رغم وضوح التعاطف الشعبي الكردي مع المدافعين عن المدينة وأهلها، تتباين بشدة مواقف السياسيين والمثقفين الكرد نتيجة تباين مصالحهم وحساباتهم الضيقة.

هو أمر مفهوم أن يعمل حزب الاتحاد الديموقراطي ببنيته الأيديولوجية على احتكار ما يجرى واعتباره مسألة تخصه وحده، معولاً على صمود مقاتليه في تعزيز شعبيته وفرض وجوده كمنافح وحيد عن الحقوق القومية الكردية، حتى وإن بدا الأمر أشبه بمقامرة قد تفضي في حال سقوط المدينة إلى خسائر بشرية كبيرة وإلى عكس ما يرجوه، لكن ما ليس مفهوماً أن تسلّم أطراف كردية بهذا التوجه وتنفض يدها من الحدث وتعلن أن ما يجرى هو قضية حزب وليس قضية شعب، مركزة جهودها على كيل الانتقادات للاتحاد الديموقراطي بصفته حزباً استئثارياً اعتمد أساليب التفرد في السيطرة على المناطق الكردية التي انسحب منها النظام وعمل على إقصاء وحتى اغتيال عدد من الكوادر والقادة الكرد المنافسين له، بما في ذلك تحميله مسؤولية التحرش بقوات «داعش» بمنازعتها على بعض مناطق سيطرتها.

الموقف المعلن للسلطة السورية يبدو منسجماً، فوراء الاشادة بصمود مقاتلي كوباني ثمة رهان على انتصار حليفها الكردي، ولو انتصاراً باهتاً، لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، أولها، تحسين صورتها وشحن الروح المعنوية لأنصارها، ثانيها، تسعير العمليات العسكرية للنيل من المعارضة المسلحة بوسائل أشد فتكاً وتدميراً في ظل انشغال العالم بما يجرى في كوباني، ثالثها، محاصرة مطامع السياسة التركية وفتح نافذة للتواصل مع خطة التحالف الدولي المناهضة لـ «داعش»، ما يضع على المحك صحة التسريبات المريبة عن وجود تنسيق أمني من تحت الطاولة بين قوات التحالف الدولي والنظام السوري.

في المقابل، تبدو المعارضة السورية بمواقفها المشتتة والمرتبكة في وضع لا تحسد عليه، فمن كان منها يطالب بتدخل أممي في الصراع السوري، لا يتجرأ اليوم على رفض دور التحالف الدولي لأنه يساند أحد حلفاء النظام، ولعل مخرج هؤلاء لتخفيف حرجهم هو تكرار الاستقواء بالوعود الغربية عن تمكين المعارضة المعتدلة من ملء الفراغ الناجم عن تراجع «داعش»، ما يفسر مسارعة مجموعات من الجيش الحر الى المشاركة في المعركة إلى جانب مقاتلي كوباني. أما من يُحسبون على الاسلام السياسي فيحذون حذو، الحكومة التركية، في ربط المشاركة بإنقاذ كوباني بمنطقة عازلة وبردعٍ موازٍ للنظام السوري الذي فتك بشعبه أكثر مما يفعله «داعش»، بل ويضمرون رغبة بألا يُهزم «داعش» قبل نجاحهم في تسويق أنفسهم كطرف إسلامي معتدل يمثل مصالح الأكثرية السنّية وحقوقها، وقبل أن يلقن الاكراد درساً بليغاً يضع حداً لأوهامهم عن الاستقلال القومي. وهناك مجموعات ليبرالية تنظر الى ما يجرى كمذبحة رابحة بين متشددين دينيين وقوميين، فكلاهما لا علاقة له بمشروع التغيير الديموقراطي ولا مكان له في دولة المواطنة، ويتمنى هؤلاء في سريرتهم استمرار المعركة كي تستنزف هذه الجماعات المتطرفة قواها إلى الحد الأقصى، بينما لا يصعب على أحد تقدير حجم الارتباك والاضطراب لدى المعارضة التي أعلنت موقفاً مبدئياً وحازماً ضد التدخل الخارجي عند عرض موقفها الداعم لحليفها الكردي وقد استند في صموده الى ضربات الأجنبي الجوية...

لماذا كوباني؟ وماذا عن عنف النظام؟ وهل بقيت قوة في هذا العالم لم تستعرض عضلاتها على أرضنا؟ هي أسئلة يكثر سماعها بين الناس على شكل احتجاج أو استهزاء مرير، مرة، لإظهار المفارقة بين هذا الاهتمام العالمي بمصير مدينة كردية يغزوها «داعش»، وبين ذاك الاستهتار المخزي بمعارك أكثر دموية في غير منطقة سورية شارك فيها «حزب الله» وميليشيا عراقية وأُمطرت بالبراميل المتفجرة، وكأن قوات التحالف الدولي لا تتحرك إلا عندما يدوس «داعش» على الطرف الكردي، وكأن العرب هم أبناء الجارية ويجوز قتلهم وإبادتهم، وكأنها حقيقة تلك الفكرة التي تثار عن وجود خطة دشنها الغزو الأميركي للعراق وتستمر الى يومنا هذا غايتها النيل من العرب المسلمين السنّة ليس إلا!

ومرة ثانية، للتحسر على ضياع الوطن وتحوله إلى ساحة صراع إقليمي وعالمي، وتالياً لإظهار كيف أفضى تغييب المعالجة السياسية والتوغل في العنف إلى استباحة البلاد واستجرار أدوار خارجية بدأت تتعاظم طرداً مع الانهاك المتزايد للقوى الداخلية الى أن صارت لها الكلمة الحاسمة، أدوار لم تقف عند روسيا وإيران و «حزب الله» والميليشيا العراقية، أو عند تركيا ودول الجوار، بل وصلت إلى جذب كل أجنبي يؤمن بدولة «الخلافة الاسلامية» ثم استجرار قوات تحالف تضم أكثر من أربعين دولة عربية وعالمية.

ويبقى الأعم أن أخبار معركة كوباني وغيرها من المعارك باتت تمر مرور الكرام في الشارع السوري الذي لم تعد تهمه مجريات الصراع الدموي الدائر أمام تعاظم معاناته المباشرة المتعلقة بالأمن والسكن وتحصيل لقمة العيش، فقطاعات واسعة منه صارت موزعة بين لاجئين ونازحين ومعوزين يشغل بالهم جميعهم كيفية تأمين شروط حياة أقل بؤساً وتردياً، ويتملكهم شعور، أينما وجدوا، بأنهم الطرف الوحيد المُهمل وبأنهم أصبحوا مجرد وقود في صراع لا أفق له ويشي بمزيد من تصاعد العنف واستباحة البلاد، وبأنهم معنيون، على رغم ما يكابدونه، بمواجهة كل ما يهدد نسيجهم الوطني المتعايش منذ مئات السنين.