مفاتيح الحل السوري بين السلطان والقيصر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/7/2016
العربي الجديد

تشهد العلاقات بين روسيا وتركيا توتراً، عقب إسقاط الأخيرة طائرةً حربيةً روسية، قالت إنها اخترقت مجالها الجوي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، واعتبر الحادث الأخطر بين روسيا وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ولم يحدث أن أسقط عضو في الحلف طائرةً روسية منذ الحرب الباردة، وسارعت روسيا إلى فرض عقوباتٍ اقتصادية ضد تركيا، ونفت اختراق طائراتها أجواءها. وبينما اتفق مراقبون على أن هذا التطور سينعكس على التوازنات الإقليمية، إلا أن الاختلاف كان على ردة فعل روسيا، إذ ذهب بعضهم إلى أنه سيكون رداً عسكريا قد يجرّ المنطقة إلى حرب. وفي هذا، أجابني سيرغي غلازييف، مستشار الرئيس الروسي، أن العقوبات الاقتصادية تبقى أفضل من العمل العسكري، وأوصلت موسكو بذلك رسالةً إلى القيادة التركية أن ما قامت به يعتبر تهديداً للأمن القومي الروسي، ويرى المستشار أن هذا الرد لم يعادل ما قامت به تركيا، إلا أنه أفضل من الصراع السياسي العسكري، لأنه يُبقي هذا الصراع في إطار المجال الاقتصادي. 
يُعقّد هذا كله المشهد السوري، المعقد أساساً، ويجعل الحديث عن حلٍّ سلمي محتمل، أمراً مستبعدًا، على الأقل في المستقبل المنظور. وكما كان متوقعاً، لجأت روسيا إلى دعم حزب صالح مسلم، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف "إرهابيا" في تركيا وحلفائها في حلف الناتو، لإضعاف الدور التركي في سورية، ولإثارة الاضطرابات داخل تركيا، نوعاً من الانتقام. 
وقال غلازييف، في حديثي معه، إنه لا بد من إيجاد توافقٍ، ومن الضروري إعادة الثقة ببعضنا، فحادث الطائرة أدى إلى انهيارها بين موسكو وأنقرة، وعقّد كثيراً في إيجاد استراتيجية مشتركة ضرورية لتسوية الأزمة في سورية. 
صحيح أن الأمور تأزمت بين البلدين، وتبادلا الاتهامات، وكان هناك خطابٌ إعلاميٌّ انفعاليٌّ روسي، حتى أن الرئيس فلاديمير بوتين وصف ما جرى بأنه طعنة في الظهر. لكن، يبدو أن السياسة ستتفوق في النهاية، ولن تتطور الأمور أكثر، ولا سيما بعد رسالة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى بوتين، وتبعها اتصال بوتين هاتفياً بأردوغان، وبات جلوس الطرفين وحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية مسألة وقت. 

 

والواضح أن هدف روسيا كان تطويق تركيا، في البحرين الأسود والمتوسط، إلا أنها لم تنو الحرب، على الرغم من حدّة التصريحات الصادرة بين الطرفين، والتي عكست توتراً شديدًا، لا سيما مع مطالبة الرئيس الروسي مواطنيه بعدم التوجه إلى تركيا. 

إلا أنه لم يلح في الأفق، إلى الآن، أن أزمة مقاطعةٍ اقتصاديةٍ بين تركيا وروسيا قد حدثت، إذ إن غالبية المشاريع التي أرسيت، أخيراً، بين البلدين ذات طابع استراتيجي، وأيّ ضرر سيكون ذا حدّين، بسبب ازدياد العلاقات الاقتصادية بين موسكو وأنقرة، كما أن روسيا تؤمّن 60% من الغاز الطبيعي الذي تستهلكه من تركيا. ولفترة طويلة، ارتكزت صناعة الغاز الطبيعي في روسيا على أوروبا، سوق تصديرها الرئيسية. ولكن، في الآونة الأخيرة، يبدو تحول اهتمامها إلى تركيا التي تحرص على ترسيخ مكانتها بوابةً لأسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وتماشياً مع هذا، ناقشت حكومتها بالفعل مقترحاتٍ لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز من أذربيجان وتركمانستان والعراق وإيران إلى أوروبا عبر أراضيها، وهي الآن أقرب من أي وقت لتحقيق هذا الهدف، نظراً لانهيار العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي بشأن أوكرانيا، وقرار روسيا إلغاء مشروع "ساوث ستريم" لصالح وصلةٍ جديدةٍ عبر البحر الأسود إلى تركيا. 

وتبقى الاشارة إلى أن ما جرى من استفزازاتٍ جوية قد يكون وراءه تنافس وصراع بين الجنرالات الروس ونظرائهم الأتراك، كما يحدث في معظم الأزمات والمناطق التي تكون حولها نزاعات عسكرية، ولا صلة للقيادة السياسية في البلدين بما حدث. ولا يخفى أنه، بسبب براغماتية الزعيمين (أردوغان – بوتين)، نحّى كل منهما خلافاتهما الكبيرة حول سورية وأوكرانيا وأرمينيا وقبرص جانباً، وسعيا إلى، ونجحا في، إيجاد وسائل لتعميق التعاون بين بلديهما. ولا يمكن تجاهل أوجه شبه كثيرة بينهما، وهما الشخصيتان المثيرتان للجدل في أحيان كثيرة، وهما يحكمان دولتين قويتين على الحدود الشرقية لأوروبا، مطلتين على منطقتي البحر الأسود والشرق الأوسط، ويتفقان في عدة قضايا مشتركة، لكنهما يتصادمان، أحياناً، في بعض الأهداف والقضايا السياسية، وكلاهما يناهز الستين، وكلاهما في السلطة منذ زمن طويل، بوتين منذ العام 1999، وأردوغان منذ 2002، كما يتمتع الرجلان بنفوذ واسع في بلديهما، وقد أعاد بوتين إلى روسيا هيبتها على الساحة الدولية، بعدما فقدتها بانهيار الاتحاد السوفييتي، وجعل أردوغان اقتصاد تركيا السادس أوروبياً، والسادس عشر على مستوى العالم لجهة الازدهار والتأثير. 
ولا يكاد يمر أسبوع حتى ينتقد الرجلان أميركا وأوروبا، لكن العلاقة لم تسُؤْ بينهما وبين الغرب على الدوام، ولم تصل إلى حد القطيعة. ويحتفظ الاثنان بقاعدة شعبية كبيرة في الداخل، على الرغم من الاتهامات التي توجه إليهما بالتسلط. 

وميراث البلدين التاريخي غني بالألقاب التي يحلو لمؤيدي الرجلين ومعارضيهما إطلاقها، أردوغان "السلطان"، وبوتين "القيصر"، وكلاهما لا يتردّد في فهم الجغرافيا السياسية، فبوتين يدرك أن أي زعيم روسي يجب أن يوفر مناطق عازلة لروسيا في أوروبا الشرقية والقوقاز، وأردوغان يدرك أن تركيا يجب أن تصبح قوةً مهمةً في الشرق الأوسط، من أجل كسب النفوذ في أوروبا. ويحظى بوتين بنظام رئاسي روسي قوي ومستمر، أما أردوغان فيطمح إلى تحويل النظام في بلاده إلى رئاسي، فتركيا تتمتع بتاريخٍ لأحزاب متعدّدة مقارنة بروسيا، والمجتمع المدني في تركيا أقوى منه في روسيا، ويمكن إضافة أن انخفاض أسعار النفط الحالي يُضعف بوتين، ويريح أردوغان. 

وأي اتفاق بين أردوغان وبوتين سيكون له انعكاس على سورية التي تنظر إليها روسيا على أنها آخر معاقلها في الشرق الأوسط، وقاعدتها في المياه الدافئة، بينما هي أكثر من مجرد وسادةٍ أمنية لخاصرة تركيا الجنوبية. 

تعليقات