مفاوضات أم مماحكات؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

صحيفة المستقبل اللبنانية
المؤلف: 

تشبه المماحكة التي لا تليق بأحد، «المفاوضات» الأميركية الروسية في شأن الوضع النكبوي السوري.. بل هي تشبه في شكلها البراني مماحكات القوى السياسية اللبنانية (ولا تليق بغيرها!) والتي يعرف أصحابها النتيجة سلفاً لكنهم ينخرطون فيها لاعتبارات كثيرة، أولها تقطيع الوقت بانتظار طارئ يطرأ على الأرض أو عبر الرياح الآتية من خارج!

والواضح سلفاً أن الأميركيين والروس يعرفون نتيجة مفاوضاتهم، سلفاً! لكنهم بدورهم يلعبون لعبة تقطيع الوقت، بانتظار مرور الأشهر الأخيرة من إدارة مستر أوباما، من دون تسجيل شيء ميداني كبير على مسرح العمليات السوري.

وتلك عوارض أمر غريب: «يفاوض» الروس الأميركيين على أوراق قدمها الأميركيون! أي إنهم يعرفون سلفاً حدود أدوارهم في سوريا. وسقف تدخّلهم العسكري ومَدَيات موقفهم السياسي، ثم يعرفون (طالما أنا أعرف!!) أنهم ما كانوا لينزلوا على الأرض في سوريا لولا انكفاء الأميركيين! وما كانوا ليتمسّكوا بالرئيس السابق بشار الأسد لولا الموقف الأميركي المائع المعروض تحت خانة المفاضلة المرحلية بين بقاء الأسد أو سيطرة «الإرهاب»! وما كانوا ليُظهروا كل تلك السياسات الصادمة القائلة من دون خجل، وعلى لسان وزير خارجية فلاديمير بوتين، سيرغي لافروف، إن سوريا يجب «ألا تُحكم» من قِبَل المكوّن الأكثري فيها، لو أن واشنطن ترى غير ذلك! أو لو أنها تعتمد مقاربة جزئية خاصة بسوريا نفسها وليست جزءاً من فلسفة أوبامية تقوم على قاعدتين، الأولى «عدم إزعاج» إيران! والثانية التماهي مع المصلحة الإسرائيلية التكتيكية والاستراتيجية!

تبدو واشنطن، في الشكل وفي العمق، وكأنها تتسلى مع الروس وغيرهم في سوريا! تعرف (طالما أنا أعرف!!) أن «إرادتها» في سوريا لا ترد! ولا قدرة لأحد على الوقوف في وجهها! وأنها، حتى من خلال مبدأ «القيادة من الخلف» هي القائد الوحيد (الوحيد!) للأدوار والأحجام في الوضع السوري الملتهب، وهي المتحكمة بمآلات وسيرورات ذلك الوضع.. وقد لا تشي التفاصيل السياسية والميدانية بذلك، لكن السياق العام يؤكده تماماً بتاتاً!

يتذكّر الجميع، أنه في اللحظة التي وجدت واشنطن نفسها أمام تحدٍّ خطير لـ»خطوطها الحمر» بعد ارتكاب الأسد مجزرة الكيماوي، وأعلنت على أكثر من مستوى قيادي فيها أنها لن تسكت عن الجريمة وستعاقب مرتكبها... كرّت سبحة المواقف من قِبَل حلفاء الرئيس السوري السابق باتجاه استسلامي (أو انكفائي) واضح وضوح الشمس. لافروف نفسه قال آنذاك (صيف العام 2013) إن موسكو لن تقاتل القرار الأميركي! بل لن تقاتل من أجل أحد! ومثله فعل الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي بشّر يومها أن بلاده «ستبقى تساعد الشعب السوري بالأغذية والأدوية!» (شيء من هذا القبيل!).

أي إنه في اللحظة التي قررت إدارة أوباما أن تتحرّك مباشرة.. تراجع أبطال الممانعة إلى الخلف! وبدأ بشار الأسد في توضيب أغراضه في قصر المهاجرين استعداداً للهرب! وامتلأت بيروت فجأة بضباطه الباحثين عن ملجأ! وشاعت موجات تفاؤلية بقرب فرج السوريين المنكوبين بفظاعات عزّ مثيلها! قبل أن يدخل الإسرائيليون على الخط ويشرعون في هندسة بواسطة الروس اتفاق تسليم السلاح الكيماوي! وضمان بقاء المذبحة مفتوحة، في المقابل!

«يفاوض» الأميركي، الروسي على تفاصيل مخزية! وليس على إيجاد حل سلمي مدّعى لهذه النكبة!.. على «تخفيف» وتيرة استهداف المناطق المأهولة بالسكان في نطاق سيطرة قوى المعارضة! وعلى «السماح» بدخول الأغذية إلى بعض المناطق المحاصرة، في حلب الشرقية مثلاً! لكنه لا «يفاوضه» على وقف عملية التغيير الديموغرافي الجارية في محيط دمشق! أو المرتقبة (والمحتملة!) في مدينة حمص! أي كأنه صاحب عمل «يفاوض» عميلاً من الباطن في كيفية إتمام الجزء الخاص به من الصفقة! وليس أكثر من ذلك!

«مفاوضات» مخزية! لا يتورع أقطابها وأبطالها عن مسرحة حركاتهم، فيما شعب سوريا «يتحرك» من مذبحة إلى أخرى! وفيما سوريا كلها صارت مقبرة مفتوحة! وعنوان عار ما يُسمى المجتمع الدولي في مطالع الألفية الثالثة!

تعليقات