مفاوضات النووي الإيراني من منظور تركي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/11/2014
القدس العربي
المؤلف: 

حل أخيراً موعد الجولة النهائية من المفاوضات الإيرانية – الغربية حول الملف النووي الإيراني. ينظر الرئيس الامريكي باراك أوباما إلى هذه المفاوضات بوصفها فرصته الأخيرة للفوز باتفاق يسجل باسمه في صفحات التاريخ، بعدما أمضى 6 سنوات من ولايته بشهرة الرئيس الضعيف الذي لم يحقق أي إنجازات للقوة العظمى المفترض أنها وحيدة، في نظر منتقديه الكثر في الداخل والخارج، هذا الضعف الذي تتوج داخلياً في الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ بتقدم الحزب الجمهوري تقدماً كبيراً على حزب الرئيس.

يرى بعض المحللين أن هذا الاندفاع الامريكي الذي انكشف على أكمل وجه في رسالة أوباما إلى المرشد الإيراني خامنئي، قد يدفع هذا الأخير إلى التشدد أكثر وصولاً إلى إفشال الجولة الأخيرة من المفاوضات التي انطلقت في فيينا. فيما يرى آخرون أن سيطرة الجمهوريين على الكونغرس قد يدفع إيران إلى الرضوخ لمتطلبات الاتفاق النووي مع الدول الست، تحسباً من خسارة فرصتها الأخيرة للاندماج في المجتمع الدولي.

الواقع أن الطرفين الامريكي والإيراني يملكان كل الأسباب للخروج باتفاق ينهي عداءً عمره من عمر الثورة الإسلامية في 1979. خمس وثلاثون سنة نشأ في غضونها جيل جديد من الامريكيين لا يتذكرون احتجاز طاقم سفارتهم في بغداد في الأشهر الأولى بعد انتصار ثورة الخميني على الشاه، وجيل جديد من الإيرانيين يتوق إلى التغيير بعدما أمضى عمره في صراع بلا أفق مع دول الجوار والمجتمع الدولي معاً. لكن الطرفين أيضاً يلعبان لعبة عض الأصابع بما يهدد مصير الاتفاق الذي يأمله كل منهما من منظور مصالحه الخاصة.
أين تقف تركيا من ذلك، وما هي التأثيرات المحتملة على مصالحها من نجاح الطرفين في الوصول إلى اتفاق أو فشلهما؟

إن وصول الإيرانيين والدول الغربية الست إلى اتفاق نووي من شأنه أن يدشن فاتحةً لعودة إيران إلى الاندماج في المجتمع الدولي، بل أكثر من ذلك: قيام تحالف أمريكي – إيراني في مواجهة «الإرهاب» المتمثل في «داعش» والمنظمات المرتبطة بالقاعدة. هذا ما يضع كلاً من تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي وإيران في الطرف نفسه من الصراع الاقليمي – الدولي. غير أن المفارقة تكمن في أن تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان قد اختارت، منذ أكثر من ثلاث سنوات، التموضع في المحور الداعم للثورات العربية جنباً إلى جنب مع دول الخليج الرئيسية. في حين أن إدارة أوباما التي كانت، إلى الآن، نظرياً في هذا الصف، انتقلت إلى الطرف المواجه لداعش بوصفه الخطر الرئيسي في نظرها، فباتت موضوعياً في تحالف مصالح مع المحور الإيراني. هذا التناقض بين التموضع الأطلسي لتركيا (نظرياً) والتموضع في المحور الاقليمي السني (عملياً) هو أحد العوارض الجانبية لمفعول الثورات العربية، والسورية منها بصورة خاصة. الأسابيع والأشهر القليلة القادمة ستكشف بأي طريقة ستحل تركيا هذا التناقض.

نقلت الصحف التركية كلاماً عن السفير الإيراني في أنقرة في مجلس خاص ضمه إلى عدد من الصحافيين الأتراك. شدد السفير، وفقاً لتسريبات مجالسيه، على المصالح المشتركة الإيرانية – التركية في سوريا، وعلى أن الأزمة السورية يمكن حلها إذا تحركت الدولتان معاً. ولم يتردد سفير ولي الفقيه في شرح الوسيلة: ابتعاد تركيا عن قطر والسعودية اللتين سيصبح دورهما هامشياً إذا تحركت طهران وأنقرة معاً في سوريا والعراق!
الواقع أن تركيا ترتبط بمصالح اقتصادية كبيرة مع إيران، ليس أقلها شأناً أن الأولى تعتمد على الثانية في تأمين حاجاتها من الغاز الطبيعي. وفي ظل التوتر الروسي مع دول الحلف الأطلسي، وتهديد حكومة بوتين لأوروبا بقطع تدفق الغاز إلى أوروبا، سيكون من شأن الاتفاق على الملف النووي أن يوفر البديل الإيراني لأوروبا من الغاز عبر الأراضي التركية. من جهة ثانية، من شأن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، بموجب الاتفاق النووي المحتمل، أن يوفر للسلع التركية سوقاً للتصريف بحجم ثمانين مليون نسمة، بعدما تأثرت تجارة التصدير التركية سلباً بوقائع سوريا والعراق، كما بسبب الخلاف التركي – السعودي بشأن الانقلاب العسكري في مصر.

ومما شدد عليه السفير الإيراني في حديثه المذكور أعلاه هو الخطر الكردي المشترك الذي يضع البلدين في الطرف نفسه سياسياً. وهو، أي الموضوع الكردي، ما يشكل رائزاً رئيسياً من روائز تحديد السياسة الخارجية التركية في سوريا والعراق. وقد شهدنا ارتباك الحكومة التركية في مسلكها إزاء أحداث كوباني التي تحولت بسهولة إلى عامل داخلي هدد بنسف مسار العملية السياسية بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني.
تركيا التي قدمت، ربيع العام 2010 بالاشتراك مع البرازيل، مبادرة سياسية لحل مشكلة الملف النووي الإيراني مع الدول الغربية، تجد نفسها اليوم معزولة عن المفاوضات الجارية في فيينا، لا أحد يهتم برأيها أو مصالحها القومية. هل تنعكس المصالحة السعودية – القطرية التي تمت أخيراً إيجاباً على تركيا فتشملها، بما يعزز من قوة الحكومة التركية في مواجهة التقارب الامريكي – الإيراني؟ أم تترك وحيدة أمام خيارات مصيرية ليس لها وحدها بل للاقليم بكامله؟