مكافحة الإرهاب على تركيا وإعادة الإعمار على السعودية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27 - 12 - 2018
القدس العربي
المؤلف: 

هكذا غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، "موزعاً المهام" على حليفتيه الاقليميتين، بعد قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا. "يمكن لتركيا أن تقضي على ما تبقى من داعش" قال، وأعلن عن موافقة السعودية على تمويل إعادة الإعمار في سوريا.

ارتبك الأتراك أمام هذا الإملاء، على رغم تصريحات مسؤوليهم بشأن قدرة تركيا على مكافحة بقايا داعش، مع التركيز دائماً على أولوية القضاء على وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية وامتداداً لحزب العمال الكردستاني، أو فرعاً من فروعه، وتجاهر بهدفها المتمثل في منع إقامة كيان كردي في شمال سوريا محاذٍ لحدودها الجنوبية.

أما السعودية، فقد حافظت على صمتها بشأن دورها المفترض في إعادة إعمار ما دمره نظام بشار الكيماوي، لكي يستمر المذكور في السلطة. لم تؤكد ما قاله ترامب ولم تكّذبه أيضاً. فإذا صدق ترامب، هل تكون تكلفة إعادة الإعمار في سوريا هي ثمن حماية ترامب – كوشنير لولي العهد السعودي من المحاسبة عن مسؤوليته في جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي؟ ولكن ما الذي قد يفيد ترامب في صفقة مماثلة؟ ربما لتكون للولايات المتحدة كلمة في رسم ملامح "سوريا الجديدة" بواسطة السعودية، بعدما أدى انسحابها العسكري المقرر من سوريا إلى فقدان هذا الدور.

أما كيف يضمن ترامب إبعاد سيف المساءلة عن محمد بن سلمان، فربما كان فتح الطريق أمام تركيا لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأمريكي، من باب "مكافحة بقايا داعش"، ثمناً يريده أردوغان مقابل عدم وصول القضاء التركي الذي يحقق في جريمة القنصلية السعودية إلى تحديد مسؤولية بن سلمان.

هي افتراضات فيها نصيب وافر من الخيال، لكن الدرك المنخفض جداً الذي بلغته السياسة الدولية يمنح التفكير فيها أسباباً كافية.

أطلق قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا ما يمكن تسميته بمعركة ملء الفراغ، ولا يمكن اختزال هذه المعركة إلى مجرد "تكليف" ترامب لتركيا بمحاربة داعش في شمال شرقي سوريا. فمن جهة أولى تبدو هذه المهمة صعبة جداً على تركيا، ومن جهة ثانية تفترض أن اللاعبين الآخرين في الميدان موافقون على ذلك. فمن جهة صعوبتها، لا يمكن لتركيا ألا تحسب المخاطر الكبيرة لهذه المهمة على أمنها الداخلي. فالعدو المطلوب محاربته عبارة عن شبح يتحرك بسهولة في أراض شاسعة، وعبر الحدود، وبين المدن والمناطق التركية، ويمكن لجهادي داعشي خفي واحد أن يضرب ضربته في أي مدينة تركية ويسبب أذىً كبيراً. ولا نتحدث هنا عن أجانب، بل عن جهاديين يحملون الجنسية التركية، هناك دراسات رصينة سبق وتحدثت عن وجودهم كخلايا نائمة.

أما في الجانب السياسي، فتركيا أبعد ما تكون عن الحصول على موافقة روسية، بصورة أساسية، على دخول مناطق شرقي الفرات. أضف إلى ذلك رفض إيراني – أسدي مرجح لتوسيع مناطق النفوذ التركي داخل الأراضي السورية.

كان لافتاً، بهذا الصدد، تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن "موافقة الحكومة السورية" على الوجود العسكري التركي في محافظة إدلب. وهو ما قد يعني، ضمناً، عدم شرعية الوجود التركي، من وجهة نظر روسيا والنظام، في كل من منطقتي "درع الفرات" وعفرين، ناهيكم عن دخول تركي محتمل إلى شرقي الفرات.

كذلك كان تصريح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لافتاً بخصوص احتمال تدخل عسكري عراقي لمحاربة داعش داخل الأراضي السورية المحاذية للحدود العراقية.

إذن، أصبح هناك، مبدئياً، ثلاث قوى منافسة لتركيا على ملء الفراغ الأمريكي: ميليشيات النظام، ومعه الميليشيات التابعة لإيران، والقوات العراقية، ومقاتلو داعش. إضافة إلى قوات سوريا الديموقراطية الموجودة أصلاً هناك، وهي موضوع مهمة مكافحة الإرهاب التركية، ومعها داعش.

من المحتمل إذن أن تكون هناك "دربَكَة" كبيرة، حسب التعبير العامي السوري، في شرقي الفرات بعد إتمام الانسحاب الأمريكي، بين فرقاء عديدين. كل ذلك من غير أن نذكر القوات الفرنسية الموجودة في منبج، بصورة رئيسية، وعديدها 1200 جندي، لا يمكن التكهن الآن بمصيرهم هناك، وإن كان يرجح أن يقرر الرئيس الفرنسي ماكرون سحبهم، بعد فقدان الغطاء الأمريكي.

ومن الاحتمالات المرجحة أن يستدعي حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) النظام إلى ملء الفراغ الأمريكي، احتماءً من غزو تركي محتمل. وهذا مما قد ينسف التفاهمات التركية – الروسية بشأن سوريا، ويؤدي إلى خروج تركيا من "ثلاثي آستانة"، ما لم ترغب موسكو نفسها بإعطاء تركيا أوراق قوة إضافية لموازنة إيران، ولضمان استمرار الشرخ الأمريكي – التركي.

بالمقابل، لا بد من أخذ افتراض تمويل السعودية (ومعها أبو ظبي) لأعباء إعادة الإعمار في سوريا على محمل الاحتمال الجدي، بالنظر إلى تكاثر مؤشرات إعادة تعويم نظام بشار الكيماوي عربياً. وأبرزها زيارة الرئيس السوداني الملاحق دولياً إلى دمشق ولقاؤه ببشار الأسد، ثم زيارة رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك إلى القاهرة ولقاؤه بنظيره المصري. هذه الزيارة العلنية التي جعلت الجامعة العربية تشعر بالحاجة لإعلان غياب التوافق بين الدول العربية حول موضوع عودة النظام إلى شغل مقعده الشاغر في الجامعة منذ سبع سنوات.

أما زيارة البشير، وبعيداً عن التوصيفات الأخلاقية، فلا يمكن إنكار شرعية افتراضات بشأن مضمونها السياسي. فهناك تكهنات مشروعة حول الرسائل العربية التي من المحتمل أن البشير حملها إلى الأسد، من قادة دول عربية متلهفة لطي صفحة السنوات السابقة معه.

ترى هل تضمنت إحدى هذه الرسائل المفترضة صفقةً يعود النظام بموجبها إلى جامعة الدول العربية، وتتكفل السعودية بتمويل إعادة الإعمار، على ما غرد الرئيس الأمريكي، مقابل تخلي النظام عن تحالفه الاستراتيجي مع إيران؟ فهذا الثمن يبدو جذاباً بالنسبة للرياض وأبو ظبي، إضافة إلى واشنطن طبعاً التي تكون بذلك حققت هدفها بإخراج إيران من سوريا على حساب حليفها السعودي. فهذا منطق بزنس يلائم شخصية الرئيس الأمريكي.

وسط كل هذه الافتراضات والاحتمالات، يبقى الثابت الوحيد هو أمن إسرائيل. فها هي تضرب مجدداً مواقع عديدة حول العاصمة دمشق، يعتقد أن فيها قواعد إيرانية، في أول هجوم كبير بعد هدوء اضطراري في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية بالخطأ.

تعليقات