ملف المعتقلين.. ورقة النظام التفاوضية الأخيرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/5/2015
السورية نت
المؤلف: 

تبدو الأمور في سورية سائرة نحو عقد جولة جديدة من المفاوضات وحده الله يعلم إن كانت تهدف إلى إيجاد حل سياسي للبلاد أو إكساب النظام في سورية مزيداً من الوقت لالتقاط الأنفاس، أو محاولة للالتفاف على الانتصارات العسكرية الكبيرة التي حققها ثوار سورية على قوات النظام وحلفائه في شمال البلاد وجنوبها.

أبرز تلك التصريحات التي تشي بالعودة مرة أخرى إلى طاولة المفاضات "المجربة" تلك التي جاءت على لسان وزير الخارجية الأميركية جون كيري، حول التفاوض مع رأس النظام بشار الأسد، قائلاً إن "علينا أن نتفاوض في النهاية. كنا دائماً مستعدين للتفاوض في إطار عملية جنيف1"، مضيفاً "ما نحاول العمل عليه، هو جعل الأسد يأتي وينخرط في المفاوضات".

رد رئيس النظام بشار الأسد على كيري جاء عبر التلفزيون الإيراني، قائلاً "ما زلنا نستمع لتصريحات وعلينا أن ننتظر الأفعال وعندها نقرر"، مشترطاً أن تبدأ أي تغيرات دولية في هذا الإطار بوقف الدعم السياسي لمن وصفهم بالإرهابيين ووقف التمويل، ووقف إرسال السلاح، وبالضغط على الدول الأوروبية "وعلى الدول التابعة لها في منطقتنا والتي تقوم بتأمين الدعم اللوجستي والمالي وأيضاً العسكري، عندها نستطيع أن نقول إن هذا التغير أصبح تغييراً حقيقياً".

النظام في سورية التقط الإشارة الجديدة القادمة من واشنطن، وشرع بإبراز أحد أوراق القوة التي يمتلكها وهي ملف المعتقلين الذي تعامل معه النظام كأحد الأوراق المطروحة للتفاوض، فالنظام يرتهن عشرات آلاف السوريين في معتقلاته، ويقدر ناشطون عددهم بحدود 100 ألف معتقل بينهم أطفال ونساء، وهو يستخدمهم كورقة ضغط على المعارضة السورية، خصوصاً المسلحة منها، بين الفينة والأخرى.

يتصدر ملف المعتقلين غالبية المفاوضات التي دارت بين النظام والمعارضة، ولا سيما على مستوى مفاوضات الهدن أو كما يسميها النظام "المصالحات" المناطقية، إذ عادة ما يتعهد للفصائل المعارضة المسيطرة على تلك المناطق بإطلاق سراح المعتقلين من أبناء المنطقة مقابل توقيع الهدن. غير أنه لم يطلق سراح إلا قليل منهم حتى اليوم، بحسب مصادر معارضة. وفي "منتدى موسكو"، طالب بعض المعارضين المشاركين بإطلاق سراح المعتقلين، فطلب رئيس وفد النظام بشار الجعفري أن تسلم قائمة بأسمائهم لدراستها عبر الوسيط الروسي، فيما لم يطلق سراح أي معتقل حتى اللحظة.

نظام الأسد دفع أخيراً بما يسمى الأحزاب "المرخصة" إلى التواصل مع قوى معارضة لتشكيل لجان تختص بملف المعتقلين، ضمن مسار المصالحات والدفع به إلى إنجاز مصالحات مع المعتقلين، ومن المتوقع أن يعلن عنها خلال الفترة المقبلة.

ويقبع عشرات آلاف المعتقلين في الفروع الأمنية والمعتقلات السرية والسجون، بتهمة الإرهاب، بعضهم مضى على اعتقاله سنوات وهم مجهولو المصير، في حين يموت العشرات منهم بسبب التعذيب وانعدام الرعاية الصحية في ظل انتشار العديد من الأمراض، وقد اعترفت وزارة العدل التابعة للنظام أن لديها 30 ألف طلب استعلام عن مصير معتقلين، يجهل ذووهم مصيرهم.

ملف المعتقلين وقضايا المساعدات الإنسانية، من أهم الملفات التي يراهن عليها النظام، لإضعاف الحاضنة الشعبية لمن يسميهم النظام "المجموعات المسلحة"، إضافة إلى أنهما يتصدران مطالب المعارضة اليوم، كما يرى هو وحده ومعه المحللون المقربون من دوائر النظام.

لقد أصبح المعتقلون السوريون يشكلون مصدر إثراء لكتلة مهمة من جسد النظام، والمتمثلة بالأجهزة الأمنية والقضاء، خصوصاً محكمة الإرهاب والمحكمة المدنية، فيما يحاول الأسد سلب هذه الورقة من مؤيديه في هذه الأجهزة واللعب بها سياسياً ومن المتوقع أن يقوم النظام بتحريك ملف المعتقلين، وأن يصدر الأسد خلال الفترة المقبلة عفواً عاماً بحسب ما يروج مؤيديوه.

واقع الحال أنه لا يمكن التعويل على تصريحات بعض أقطاب النظام أو المقربين منه، أو البناء عليها، فإصدار عفو جديد من قبل الأسد، يشبه ما قدمه من مراسيم سابقة ظلت حبراً على ورق، فهناك آلاف المعتقلين المشمولين به، ورغم ذلك لم يطلق سراحهم، وجزء ممن أطلق سراحهم، وهم لا يتجاوزون الـ5 في المائة من عدد المعتقلين، تم اعتقال العديد منهم مرة أخرى.

الإعلام الرسمي للنظام ركز خلال الفترة الماضية على ملف المعتقلين، عبر العديد من التقارير والبرامج، كان آخرها حين استضاف رئيس نيابة محكمة الإرهاب عمار بلال والمفتش القضائي لدى محكمة قضايا الإرهاب، المستشار أحمد الناصر. ورغم زعم بلال على أن جميع من أُحيل إلى محكمة الإرهاب ارتكبوا فعلاً إرهابياً بشكل أو بآخر، تبين من خلال عرض تقارير من داخل سجن دمشق المركزي، أن الغالبية الساحقة تم إيقافها من قبل محكمة الإرهاب منذ أشهر وسنوات وحتى اليوم يطلق عليهم صفة الموقوفين.

يريد النظام أن يتاجر بملف المعتقلين لديه، وقد يعرضه للتفاوض مع الأميركيين، ضمن إعادة إحياء الحديث عن المفاوضات بين المعارضة والنظام. ومن المستبعد أن يكون للروس دور في تحريك ملف المعتقلين، وهم الذين عجزوا عن الضغط على النظام لإخراج معتقلي هيئة التنسيق الوطنية المعارضة وفي مقدمتهم عبد العزيز الخير ورجاء الناصر، اللذان ينكر النظام اعتقالهما. لتظل الشكوك والتكهنات قائمة حول الغاية من الذهاب إلى جنيف مرة ثالثة والجلوس مع نظام بضاعته المتاجرة بأبناء شعبه على الطاولة وتقديمهم كقرابين على مذبح التوسط لتمديد بقائه.. ليس إلا!

الكلمات الدلالية:

تعليقات