مناهج بأفكار ولغات مختلفة.. التعليم في سوريا ضحية لصراع النفوذ على مدنها

الطلاب في سوريا يتعلمون مناهج ولغات متعددة تعكس حجم صراع النفوذ في بلدهم
الخميس 14 فبراير / شباط 2019

أثر تقاسم مناطق النفوذ بين الأطراف الفاعلة في سوريا بشكل مباشر على العملية التعليمية، وبات الطلاب السوريون يتعلمون على امتداد الجغرافية 5 لغات، ويدرسون مناهج مختلفة تناسب القوى التي تسيطر على المناطق التي يعيشون فيها.

وتنقسم الجغرافية السورية حالياً، بين مناطق يسيطر عليها نظام بشار الأسد وحلفاؤه وتبلغ مساحتها قرابة 60 %، ومناطق تسيطر عليها فصائل من الجيش الحر المدعومة من تركيا شمال سوريا، بالإضافة إلى سيطرة هيئة "تحرير الشام" على أجزاء واسعة من إدلب، كذلك توجد مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" الكردية.

ويختلف التعليم بين هذه المناطق ليفقد أحد أهم ركائزه الأساسية السابقة وهي أنه كان موحداً في جميع أنحاء البلاد. لكن مع تقاسم النفوذ باتت كل قوة مسيطرة تطرح منهاجها الخاصة، خصوصاً في الصفوف الأولى من المدارس لتحقيق ما تعتبره "بناء فكري جديد" لعقول الأطفال.

وفي كل منهج من هذه المناهج، يتعلم الأطفال جوانب ثقافية وتاريخية ومجتمعية مختلفة عن الأخرى، تتناسب مع أهداف القوى المسيطرة، في وقت لا يقوى فيه الأهالي على فعل شيء، نظراً لأنهم محكومون بالنظام التعليمي المفروض في مناطق عيشهم.

التعليم في مناطق النظام

حافظ النظام منذ بدء الاحتجاجات في العام 2011 ضده، على منهاجه التعليمي الذي حمل مضموناً مُشبّعاً بأفكار حزب "البعث"، التي تمجد بشار الأسد وتدعو إلى الالتفاف حوله وعدم معارضة النظام، وتشويه كل من طالب برحيل الأسد.

وبعدما استعاد النظام السيطرة على مناطق كان قد خسرها طيلة الأعوام الماضية، ركز على ضرورة غسل عقول طلاب المدارس هناك، أكثر من اهتمامه في إعادة إعمار مرافق التعليم المُدمرة، فأعاد إليها مناهج "البعث"، وأدخل تعديلات على العملية التعليمية لتصبح متناسبة أكثر مع حليفه الروسي.

ولإرضاء موسكو، أقدم نظام الأسد على خطوات عدة لإدخال الثقافة الروسية في العملية التعليمية، وبدأ ذلك باعتماد اللغة الروسية في المنهج السوري كلغة ثانية، كما أنشأ أول مدرسة روسية في الشرق الأوسط في دمشق في شهر سبتمبر/ أيلول 2018، وتعتمد المدرسة على البرامج التعليمية الروسية المترجمة إلى اللغة العربية.

كذلك يواصل النظام إرسال طلاب سوريين للدراسة في جامعات روسية بتشجيع من موسكو، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2017، افتتح النظام في جامعة دمشق مركزاً روسياً لتنسيق التعاون في تعليم اللغة الروسية في قطاع التعليم بسوريا، كذلك اتفق النظام مع موسكو في عام 2014 على افتتاح فرع لجامعة "سينرغيا" في سوريا.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، كلفت وزارة التربية في حكومة الأسد، عدداً من الأخصائيين في قسم علم اللغات الروسي في جامعة دمشق، بوضع كتب مدرسية جديدة لتلاميذ المدارس السوريين، والتي ستشمل المزيد من الأعمال الأدبية الروسية، والسير الذاتية للكتاب الكلاسيكيين، بالإضافة إلى الملاحم، بحسب ما ذكرته وكالة "سبوتنيك".

وبالإضافة إلى ذلك، قالت رئيسة مركز "العالم الروسي" التابع لجامعة دمشق، "سفيتلانا رودغينا"، إنه يتم وضع كتاب دراسي للثالث الثانوي، مشيرة إلى أنه "سيكون هناك المزيد من النصوص باللغة الروسية، على سبيل المثال قصيدة اللقالق لرسول حمزاتوف. وملاحم عن إيليا موروميتس، وقصص كوبرين وبريستافكين. وكذلك مقتطفات من قصة غايدار تيمور وفريقه".

وبحسب رضوان رحال مدير التعليم المهني والتقني في وزارة التربية بحكومة نظام الأسد، فإن عدد الطلاب الذين يتعلمون اللغة الروسية في الصفوف من السابع وحتى العاشر وصل إلى ما يقارب 15 ألف طالب وطالبة في 170 مدرسة.

مناهج تركية

وفي المناطق الواقعة شمال وشمال غرب سوريا، يطغى المنهاج التركي على مدارس المناطق هناك وتخضع العملية التعليمية برمتها إلى تركيا، وذلك بعد سيطرة فصائل من المعارضة إلى جانب الجيش التركي على المناطق الممتدة من جرابلس في ريف حلب الشمالي، وحتى عفرين.

وعلى سبيل المثال، تتصدر تركيا بلغتها ومؤسساتها المشهد في مدينة أعزاز الواقعة تحت سيطرة فصائل من المعارضة، وتسود لغتها في الكتب المدرسية، مروراً بلافتات الطرقات، وفي بداية الموسم الدراسي للعام الماضي، قرر مجلس أعزاز المحلي إضافة دروس اللغة التركية إلى المنهاج الدراسي لتعليم 18 ألف تلميذ في أعزاز وريفها.

وتتخذ تركيا إجراءات لتعزيز حضورها في العملية التعليمية شمال سوريا، فبحسب ما ترجمت "السورية نت" عن موقع "رسالة خبر" التركي، فإن مدرسين سوريين يتقنون اللغة التركية في ولاية هاتاي بدأوا بإجراء دورة تدريبية بداية الشهر الجاري، على أن يتم نقلهم إلى مدارس عفرين لتدريب الطلاب بتقديم الدروس باللغة التركية.

معاهد شرعية

وبالانتقال إلى مناطق سيطرة "تحرير الشام" شمال سوريا، عمدت "الهيئة" إلى افتتاح عدد من المعاهد الشرعية في مناطق مختلفة من محافظة إدلب وريف حلب وحماة، منها للذكور والإناث البالغين وأخرى للأطفال.

ويخضع المنتسبون لتلك المعاهد إلى دروس تتناسب مع إيديولوجية "تحرير الشام"، ويستهدف شرعيو الهيئة القائمين على تلك المعاهد اليافعين، حيث يسهل التأثير عليهم وإمكانية تجنيدهم في صفوفها وكسب تأييدهم لها. كما عمدت "حكومة الإنقاذ" التابعة للهيئة إلى إدخال تعديلات شملت بعض الدروس.

مناهج "الإدارة الذاتية"

وكبقية المناطق، فرضت "الإدارة الذاتية" - الموجودة في جزء من شمال سوريا وشمالها الشرقي"، التي تدير مناطق سيطرة قوات "سوريا الديمقراطية" التي تشكل "الوحدات الكردية" نسبة كبيرة فيها، منهاجها التعليمي على الراغبين في التعلم.

وأدت سيطرة "الإدارة الذاتية" على المدارس في تغيرات عدة، منها ما ترافق مع حدوث تجاذبات سياسية بينها وبين ومديرية التربية التابعة للنظام.

النظام من جهته استخدم عصا الفصل من السلك التدريسي لمن يقوم بالتدريس في مدارس "الإدارة الذاتية"، والاخيرة من جهتها منعت الأهالي من إرسال أبنائهم إلى مدارس النظام التي تُدرس باللغة العربية. وهددت الأهالي بالضرائب والفصل من مؤسسات "الإدارة الذاتية" أن كانوا موظفين ضمنها، مما أدى لحدوث عملية تشتت ذهني لدى الأطفال وتخوف لدى الأهالي على مستقبل أطفالهم.

وفي تصريحٍ لـ"السورية نت"، قال الباحث في الشؤون الكردية في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بدر ملا رشيد، إن "مواقف الأهالي كانت منقسمة حول عملية تغيير المنهاج ككُل، وليس فقط المنهاج باللغة الكُردية، فالتعليم باللغة الكُردية هو مطلبٌ كُردي مجتمعي، كون الكُردية كانت في خطر كبير نتيجة منع استخدامها في المؤسسات الرسمية، وتم منع ومعاقبة من يقوم بتدريسها بشكلٍ سري".

وأضاف أن الموضوع من الناحية المبدئية مطلب شعبي، إلا أن الانقسام ظهر نتيجة سببين، الأول: عدم وجود اعترافٍ بالإدارة الذاتية، واحتمالية تغيير الوضع السياسي في المنطقة، الأمر الذي يعني بدوره ضياع السنوات التي تمت الدراسة فيها بمنهاج الادارة الذاتية.

والسبب الثاني هو "إقحام حزب الاتحاد الديمقراطي لأيديولوجيته ضمن المناهج فيما يتعلق بزعيم حزب العمال الكُردستاني عبد الله أوجلان، ونظرية الأمة الديمقراطية التي يحاول الحزب تطبيقها على المجتمعات الخاضعة لسيطرتهم".

وأوضح رشيد في تصريحه أن "الرغبة بالتعلم باللغة الأم هي حقٌ إنساني مبدئي، لذا فإن الأمر يحقق للكُردي الحفاظ على كيانه ووجوده، فاندثار اللغة سيؤدي بالتقادم لعملية صهر قومية، والتي حاول النظام البعثي أن يطبقها بشتى الوسائل، لذا فإن إحقاق هذا الحق سيؤدي بالتأكيد إلى منح الاطمئنان للكُرد حول مصيرهم كمكون له خصوصية بأبعاد ثقافية وقومية، أما من الناحية العلمية والتربوية فإن تغيير المنهاج سيؤدي على المدى القصير والمتوسط لتدريس جزء كبير من أطفال الكُرد بلغتهم الأم".

وأشار إلى أنه منذ نشأة الجمهورية السورية "نستطيع لأول مرة مشاهدة ظهور أطفال كُرد يستطيعون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، وهي غاية لم تتحقق للأجيال التي سبقتهم، فأعداد الكُرد المتقنين للغتهم كتابةً وقراءة قليلة جداً، ويصعب على من يعرفها أن يكتب بها كون العامة تجهل القراء السلسة لها".

وختم تصريحه بالقول، إنه "على المدى الطويل سيحصل كما ذكرنا ضياع مستقبل تعليم جيلٍ كامل، إن لم يتم الاعتراف بمناهج كُردية متفقة عليها مجتمعياً، كما سيؤدي إلى تأثرهم بأفكارٍ حزبية مؤدلجة".

اللغة الفارسية

وأمام هذا التسابق على العملية التعليمية في سوريا، كان لإيران نصيب منه أيضاً، إذ تعزز طهران حضورها شيئاً فشيئاً في هذا القطاع.

وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي افتتحت إيران قسماً للغة الفارسية في جامعة تشرين في اللاذقية بالتعاون مع المستشارية الإيرانية، وبذلك تصبح جامعة تشرين ثالث جامعة سورية تُدرّسُ اللغة الفارسية كاختصاص مستقل، بعد جامعتي دمشق والبعث في حمص.

وأيضا في اللاذقية في عام 2014 أصدر الأسد قراراً بافتتاح مدرسة الرسول اﻷعظم الشرعية، في قرية رأس العين التابعة لمدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. والتي تتبع في أسلوب تدريسها تعاليم المذهب الشيعي الجعفري.

وكانت إيران قد أعلنت مطلع العام 2018 عن تأسيس "كلية للمذاهب الإسلامية" في دمشق، بعد شهر من إعلانها فتح فروع لـ"الجامعة الإسلامية الحرة الإيرانية/آزاد".

ومع توسع النفوذ الإيراني في دير الزور شرق سوريا، فإنها افتتحت هناك مدارس للتعليم باللغة الفارسية وبكادر إيراني، وتتراوح أعمار الأطفال فيها من 8 إلى 14 عاماً، وتقدم تلك المدارس إغراءات مادية للأهالي على شكل رواتب شهرية تبلغ 10 ألاف ليرة عن كل طالب، ومكافآت مجزية للطلبة المتفوقين.

ويشار إلى أن تنظيم "الدولة الإسلامية" عندما كان يسيطر على مساحات واسعة في سوريا، فرض هو الآخر مناهجه الخاصة به على المدارس، والتي حملت مضامين الغلو لتنشئة ما كانت تسميهم "أشبال الخلافة".

اقرأ أيضاً: تقرير استخباراتي: إيران تُبعد قواتها عن الحدود مع الجولان بسبب الغارات الإسرائيلية

المصدر: 
خاص - السورية نت