منطقة آمنة أم منطقة عازلة؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-01-17
القدس العربي
المؤلف: 

«أؤمن بأننا وصلنا إلى تفاهم ذي أهمية تاريخية»! هكذا وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محادثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المكالمة الهاتفية التي بادر الأول إلى إجرائها.

تفاهم ذو أهمية تاريخية في الموضوعات التي تباحثا فيها، وفي القلب منها موضوع «المنطقة الآمنة» في شمال سوريا حيث تسيطر الآن «قوات سوريا الديموقراطية» بحماية الولايات المتحدة التي تستعد للإنسحاب!

واسترسل الرئيس التركي في شرح مفهومه للمنطقة الآمنة، فقال إن تركيا هي التي ستقيمها بدعم من الحلفاء وأولهم واشنطن، وأن أبرز وجوه هذا الدعم هو الغطاء الجوي، في حين تقوم مؤسسة الإنشاءات الحكومية التركية ببناء مساكن من طابقين (أرضي وأول) تحيط بها حديقة على مساحة 500 متر مربع!

جاءت هذه التطورات بعد التغريدة الاستفزازية لترامب التي هدد فيها تركيا بتقويض اقتصادها إذا مست بالأكراد. وفي التغريدة نفسها ألقى ترامب بطعم «المنطقة الآمنة» بعمق 20 ميلاً (نحو 32 كم). لوحظ في ردود فعل أنقرة على تهديد ترامب أنها اتسمت بالهدوء والتفهم. فقد قال وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو، مثلاً، إن تركيا تفهم أن الرئيس ترامب يتعرض لضغوط داخلية كبيرة! وإن لم يهمل رفض لغة التهديد. لكنه، بالمقابل، كرر دعوة تركيا للإدارة الأمريكية بأن تميّز بين «الإرهابيين» والأكراد. «لا مشكلة لدينا مع الأكراد» قال «بل نحن نحميهم من الإرهابيين. لقد استقبلت تركيا 200 ألف من أكراد كوباني نزحوا إليها أثناء الحرب».

أما بالنسبة للمنطقة الآمنة، فقد فضل شاويش أوغلو أن يبيع الأمريكيين من كيسهم، فقال إن هذه الفكرة هي، في الأصل، اقتراح الرئيس أردوغان الذي كان قد رفضه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

ترى ما الذي تغير، خلال أقل من 24 ساعة، ليمحو ترامب آثار تغريدته الاستفزازية ويتحدث بدلاً من ذلك عن آفاق تطوير العلاقات الاقتصادية مع تركيا؟ وهو ما ترجمه أردوغان بالكلام عن طموح البلدين في زيادة التبادل التجاري بينهما في الفترة القادمة وصولاً إلى رقم 75 مليار دولار سنوياً!

هل هو فصل جديد مما يسمى بـ«المزاج المتقلب لترامب»؟ أم أن الأمر يتعلق بمباراة ملاكمة من النوع المتفق على نتيجتها لأغراض المراهنات؟ ما يمكننا التأكد منه، حالياً، هو أن ثمة تفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن كيفية ملء الفراغ في شرقي الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، كشف ترامب عن عنوانها العريض بعبارة «منطقة آمنة».

ثمة تفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن كيفية ملء الفراغ في شرقي الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، كشف ترامب عن عنوانها العريض بعبارة «منطقة آمنة»

هذه العبارة تستدعي، بداهةً، ما حدث، في العام 1991، في العراق إبان الحرب الأمريكية حين أعلنت واشنطن عن منطقتي حظر طيران في الشمال الكردي والجنوب الشيعي. فأطلقت تغريدة ترامب، في الرأي العام التركي، موجة هواجس جديدة بشأن «مؤامرة» أمريكية لإقامة كيان كردي في شمال سوريا، تحت يافطة «المنطقة الآمنة»، وهو ما تعتبره أنقرة، تقليدياً، خطراً على أمنها القومي، ويشكل جوهر السياسة التركية في سوريا، منذ العام 2015، على الأقل.

يتحدث أركان الحكم في أنقرة عن أن تفاصيل فكرة المنطقة الآمنة ستكون موضوعاً لمباحثات فريقي عمل من الجانبين الأمريكي والتركي في الأسابيع القادمة. وهو ما قد يعني وجود تباينات بين التصورين الأمريكي والتركي لشكل ومضمون المنطقة الآمنة، وهل هي منطقة حظر طيران أم منطقة عازلة بين تركيا وكرد سوريا تتمركز فيها قوات «بيشمركة روج» الكردية السورية التي تم تدريبها تحت إشراف قوات بارزاني في إقليم كردستان، كما يتم التداول؟ كذلك سيطرح الموضوع في القمة المرتقبة، في 23 الشهر الجاري في موسكو، بين الرئيسين بوتين وأردوغان. موسكو التي لزمت الصمت، إلى الآن، بشأن ما يطرح من مشاريع لملء الفراغ الأمريكي شرقي الفرات، أعلنت، الأربعاء، على لسان وزير خارجيتها لافروف بأن روسيا ستراعي، في موضوع المنطقة الآمنة، هواجس ومصالح جميع الدول المجاورة لسوريا، بما فيها تركيا»! وهو ما يعني موافقة مبدئية روسية على فكرة المنطقة الآمنة، وستكون لها شروطها.

تتداول الصحافة التركية، بهذا الصدد، أن التفاهم على موضوع المنطقة الآمنة، تم في قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين في تموز/يوليو 2018. تدور، في كواليس السياسة في واشنطن، تكهنات بشأن قمة ثلاثية «تاريخية» تجمع كلاً من ترامب وبوتين وأردوغان، في أواخر السنة الجارية، يكون موضوعها سوريا.

كذلك لوحظ، في تصريحات أركان الحكم في تركيا، في اليومين الماضيين، تجنباً لذكر «وحدات حماية الشعب» و«حزب الاتحاد الديموقراطي» أو «قوات سوريا الديموقراطية»، والكلام بدلاً من ذلك عن «أخوتنا الأكراد» و«داعش وكل المنظمات الإرهابية في شرق الفرات». وهل كانت مجرد مصادفة أن تتم، قبل أيام، زيارة محمد أوجالان لأخيه عبد الله ـ الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة إيمرالي ـ بعد عزلة تامة استمرت سنتين ونصف؟

ولم يعلن محمد أوجالان أي شيء عن مضمون الزيارة بعد انتهائها مباشرةً، تاركاً ذلك لقيادة «حزب الشعوب الديمقراطي» ـ الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. ولم تفصح القيادة المذكورة عن مضمون الزيارة إلا بعد 4 أيام من حصولها، فقال الرئيس المشترك للحزب سزائي تمللي إن أوجالان قال لأخيه إنه «في صحة جيدة»! وهذا كل شيء. هل كانت هذه «الرسالة» من أوجالان، بعد سنتين ونصف من الصمت القسري، بحاجة لاجتماع قيادة «الشعوب الديمقراطي» للتداول في إعلانها؟

أما الناطقون باسم «الإدارة الذاتية» فيتضح من تصريحاتهم أنهم فوجئوا بكلام ترامب حول المنطقة الآمنة. ومن المعروف أن أحد ممثليهم في موسكو أعلن، قبل أيام، عن تعليق المفاوضات مع نظام الأسد «لأنه لم يغير عقليته». يقال إن الأمريكيين طلبوا من قادة «الوحدات» و«قسد» تجميد المفاوضات مع نظام دمشق. أما صالح مسلم فقد أعلن، صراحةً، عن مفاجأته بخصوص المنطقة الآمنة. هذا كل ما يمكن أن يقال، حالياً، بشأن الخطط الأمريكية لمرحلة ما بعد الانسحاب من سوريا، أو كنه التفاهمات الأمريكية ـ التركية، أو الأمريكية ـ الروسية ـ التركية.