منطق الحروب الجديدة في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/7/2017
العربي21
المؤلف: 

 توشك حروب "الإرهاب" القديمة في سوريا أن تؤسس لبداية حروب "الهيمنة" الجديدة في المنطقة بطرائق أخرى، فمع إعلان قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة عن بدء معركة الرقة، واقتراب طرد مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" من المدينة، بدأت المنافسة تشتد بين الدول والفصائل المتناحرة في سبيل السيطرة على الأراضي التي خضعت لسيطرة التنظيم. 
 
وهي أراض واسعة تمتد من الرقة عبر وادي نهر الفرات إلى الحدود مع العراق والصحراء السورية في منطقة البادية، حيث تشتعل شرارة حرب الهيمنة بين أمريكا وروسيا وإيران من جهة، وبين تركيا وأكراد سورية من جهة ثانية. 
 
وتتسابق قوات النظام السوري والمليشيات الشيعية التي يقودها قاسم سليماني قائد "فيلق القدس"التابع لـ "الحرس الثوري" الإيراني، مع فصائل المعارضة السورية المسلحة وداعميه، وتنظيم "القاعدة" وحلفائه لتعزيز النفوذ وفرض السيطرة على الفضاءات الجغرافية التي انتزعت من تنظيم الدولة الإسلامية.
 
في الوقت الذي تعمل فيه المليشيات الشيعية العراقية على استثمار طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من مدينة الموصل بالزحف باتجاه المنطقة الحدودية الغربية من العراق، لخلق واقع جديد يفضي إلى سيطرة القوات التي تقودها إيران على خطوط الإمداد عبر العراق التي تربط إيران بسوريا ولبنان تسعى القوات الكردية والعربية السنية المدعومة من الولايات المتحدة للسيطرة على المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" لضمان تحقيق طموحاتها، بتأسيس كيانات خاصة بها في خريطة سورية المستقبلية، في ظل ديمومة حالة الفوضى والتفتيت الواقعي للدولة السورية.
 
من المرجح أن يندلع نزاع كبير بين الولايات المتحدة وإيران في السنوات الخمس المقبلة، بحسب "معهد دراسات الحرب" الأمريكي، حيث طورت إيران تحالفا فعالا ونشطا وقابلا للتنفيذ بيد وكلائها، وذلك بمساعدة روسيا. 
 
الأمر الذي سيؤدي إلى إبطال مخططات الولايات المتحدة. 
 
كما أن إيران تسعى أيضا إلى رفع قدراتها التقليدية، وستقاوم الضغوط الأمريكية في القضايا غير النووية، وستقاوم جهود السيطرة على قوات الحشد الشعبي في العراق، وتزيد نفوذها في الخليج العربي والبحر الأحمر وفي أماكن أخرى مستخدمة قواتها الخاصة أو المليشيات الموالية لها.
 
الحرب المنتظرة في سوريا توشك أن تقع بآليات جديدة في ظل حروب الوكالة بين قوات المليشيات التي تدعمها إيران من جهة، والقوات التي تدعمها أمريكا فى المنطقة. 
 
ذلك أن هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" كأولوية لأمريكا ستتبدل بعد طرد التنظيم من مناطق سيطرته كما ظهر جليا منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بالدمج بين مواجهة  تنظيم "الدولة" و"إيران". 
 
في ظل انحسار سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال سوريا من خلال "قوات سورية الديمقراطية" بمكوناتها الأساسية الكردية المدعومة أمريكيا عبر عملية "غضب الفرات"، وبفضل قوات عملية "درع الفرات" بمكوناتها العديدة من الجيش الحر، وبعض الفصائل الإسلامية السنيّة المدعومة من تركيا، فقد حسمت تركيا خياراتها بإنهاء حلم الأكراد بإنشاء كيان كردي متصل بين كوباني وعفرين. 
 
ولم تعد تركيا تثق بوعود الولايات المتحدة التي زادت من اعتمادها على القوات التي تجابه تنظيم الدولة الإسلامية ممثلة بوحدات حماية الشعب الكردية في حملتها ضد داعش في شمال سوريا. 
 
ذلك أن وحدات حماية الشعب تتوافر على رؤية سياسية طويلة الأجل من شأنها أن تخلق بيئة مثالية لتنظيم الدولة والقاعدة، فوحدات حماية الشعب مرتبطة بحزب العمال الكردستاني الذي هو بحسب التصنيف الأمريكي منظمة إرهابية أجنبية تنفذ تمردا ضد الحكومة التركية العضو في حلف الناتو التي أصبحت أقل استجابة للمصالح والمطالب الأمريكية. 
 
عملية "سيف الفرات" التركية تحمل طابعا مختلفا عن عملية "درع الفرات"، فعلى صعيد التسمية والدلالة يشير "السيف" إلى طبيعة العملية الهجومية على خلاف "الدرع" بطبيعته الدفاعية.
 
ومن المفترض أن تشن القوات المسلحة التركية هجوما واسعا على مناطق سيطرة قوات حزب "الاتحاد الديمقراطي"، الجناح السوري لـ"العمال الكردستاني" في شمال سوريا، وقد تم حشد 7 آلاف من القوات التركية الخاصة على الحدود، مع إعطاء الأوامر لكل من القوات التركية وقوات المعارضة السورية بالجهوزية التامة. 
 
إذ من المنتظر أن تبدأ العمليات من غرب أعزاز في كل من بلدة عين دقنة ومطار منغ العسكري، لتستمر وصولا إلى كل من تل رفعت وعفرين وتل أبيض، ومن المنتظر أن تبدأ عمليات "سيف الفرات" الفعلية في آب/ أغسطس المقبل، وذلك في ذات الموعد الذي بدأت فيه تركيا عمليات "درع الفرات" العام الماضي.
 
التحولات الجديدة في سوريا سوف تعيد الجبهة الجنوبية إلى واجهة الحرب، وهي جبهة شهدت على مدى سنوات الأزمة السورية حالة من التوازن وضبط آليات الاشتباك بفضل عرفة التنسيق المشترك التي تضم مجموعة من دول أصدقاء سوريا، وفي مقدمتهم أمريكا والأردن. 
 
حيث نجحت جماعات المعارضة العربية السنية المسندة في الموازنة بين دحر تنظيم "الدولة الإسلامية" والتصدي للقوات الموالية للنظام، إلا أن تلك الدينامية سوف تتبدل مع انحسار نفوذ تنظيم "الدولة الإسلامية" وتنامي حضور "المليشيات" الشيعية المدعومة من إيران والنظام السوري.
 
تنامت خلال الأشهر الأخيرة دينامية جديدة بصورة متسارعة في الجبهة الجنوبية، حيث برزت أدوار المليشيات الشيعية التي تعمل تحت إشراف "فيلق القدس" الإيراني وقائده الجنرال قاسم سليماني.
 
ففي أيار/ مايو 2017 تمددت هذه المليشيات لتقترب من معبر التنف الحدودي بين سوريا والعراق، وسيطرت على الجانب العراقي على معبر الوليد،رغم أن من طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من المناطق الصحراوية حول التنف مقاتلي المعارضة السورية المدعومين من الولايات المتحدة.
 
إرهاصات الحرب المستقبلية المنتظرة بين أمريكا وإيران برزت في 18 أيار/ مايو الماضي عندما ضربت المقاتلات الأمريكية رتلا عسكريا للمليشيات الشيعية أثناء تقدمه نحو القاعدة الأمريكية، التي كانت تهدف إلى تطويق قوات التحالف وعزلها على الأرض. 
 
وبعد الحادثة بأيام، قام القوات الأمريكية بإسقاط طائرة  إيرانية مسلحة بدون طيار، قالت الولايات المتحدة إنها كانت تهاجم مقاتلين أمريكيين وآخرين من قوات المعارضة في منطقة التنف. 
 
وبرهنت تلك التحركات والحوادث على استعداد "فيلق القدس" لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة في سوريا، كما ظهر جليا في 19 حزيران/ يونيو الماضي عندما أعلنت القوات الأمريكية عن إسقاطها طائرة إيرانية بدون طيار بالقرب من قاعدة التنف.
 
لم تنقطع الرسائل والمواجهات الخشنة بين أمريكا وإيران في سوريا في مناطق أخرى، فقد ظهرت ساحة جديدة للمعركة على طول وادي نهر الفرات.
 
ففي 18 حزيران/ يونيو الماضي، هاجمت طائرة مقاتلة سورية قوات مدعومة من الولايات المتحدة جنوب مدينة الرقة، وهي منطقة تقوم القوات السورية فيها بدعم العمليات العسكرية التي يقودها "فيلق القدس". 
 
الأمر الذي دفع القوات الجوية الأمريكية إلى إسقاط الطائرة، وهو أمر استدعى بعث رسالة إيرانية شديدة، حيث شنت إيران هجمات بالصواريخ الباليستية على أهداف قالت إنها تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في الوادي، ومن ضمنه مدينة دير الزور، معللة ذلك بالانتقام من الهجمات التي نفذها التنظيم على طهران. 
 
لكن الحقيقة، أن الهجمات الصاروخية كانت تستهدف جميع خصومها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها.
 
على مدى الأشهر الأخيرة باتت الرسائل بين أمريكا وإيران أكثر عدوانية وسخونة، وبدا واضحا أن القوات المتعددة من المليشيات الشيعية التي تقودها إيران تحت قيادة سليماني، ستصبح التحدي الأخطر والتهديد المستقبلي الأكبر لقوات الجيش الأمريكي وحلفائه ومصالح الولايات المتحدة في سورية. 
 
إذ لم يعد خافيا على أحد أن إيران  تتبنى استراتيجية تركّز على إقامة جسر بري يصل إلى سوريا عبر الأراضي العراقية، الأمر الذي سيقود إلى نشوب صدام حتمي مع قوات المعارضة السنّية المدعومة من الولايات المتحدة.
 
برهنت مسارات الأزمة في سوريا على أن الولايات المتحدة كانت تفتقر إلى استراتيجية شاملة وواضحة في التعامل مع تطورات الصراع السوري، الذي تحول من حركة احتجاج محلي إلى صراع إقليمي ثم دولي. 
 
ذلك أن استراتيجية الولايات المتحدة ركزت جهودها على هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" بإخراجه من مناطق سيطرته المكانية المدنية الحضرية، دون الالتفات إلى تمدد "فيلق القدس" الإيراني والمليشيات الشيعية التابعة له في مناطق عدة. 
 
رغم أن الاستراتيجية الإيرانية كانت ترتكز منذ بداية الأزمة على هزيمة كافة قوات المعارضة المسلحة التي تدعمها الولايات المتحدة.
 
خلاصة القول، إن ثمة حرب جديدة بدأت بالتدحرج في سوريا، وفي مقدمتها حروب الوكالة الأمريكية الإيرانية، لكن الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع قوات "فيلق القدس" والمليشيات الشيعية التابعة له تنطوي على صعوبات تتجلى بوضوح عبر محطات معقدة. 
 
سواء من خلال التعامل مع الموقف الروسي، الذي يساند المليشيات الشيعية التي ترعاها إيران في المنطقة، وهو أمر يجعل من السياسة الأمريكية أكثر تقييدا في التعامل مع النفوذ الإيراني في ظل توتر العلاقات الأمريكية الروسية والإعلان عن وقف التنسيق بين قوات البلدين، كما يتجلى من خلال تطمينات الولايات المتحدة لحلفائها من قوات المعارضة السورية، وكذلك الأتراك بأن تركة تنظيم "الدولة الإسلامية"سوف يتولاها العرب السنّة.
 
 فضلا عن تطمين تركيا باستعادة السلاح من القوات الحليفة الكردية بعد المعركة، وهي وعود تنطوي على اختلالات وتناقضات تحول دون تقليص النفوذ الإيراني، ويؤشر على ولادة حروب أخرى بطرائق جديدة.

تعليقات