منعا لانزلاق إعلامنا نحو خيارات فاشية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/ 08/ 2014
الشرق الأوسط
المؤلف: 

قسرا أو طوعا لا فرق، فالحاصل هو سقوط الإعلام اللبناني مرة جديدة في فخ «الوطنية» بمعناها الضيق الشائع اليوم، وهو الولاء الأعمى. والفخ هذا لا ينحصر بمشهدية مذيعة أخبار ارتدت زيا عسكريا لتعلن دعمها للجيش، أو بمطولات وافتتاحيات ونصوص «ملحمية» يلقيها صحافيون ومراسلون.
فالتغطية الصحافية للمواجهة الدموية التي جرت في بلدة «عرسال» الحدودية بين الجيش اللبناني ومسلحي تنظيم «النصرة» كرّست تخلي وسائل الإعلام اللبنانية عن دورها المهني الذي يفترضُ نقلَ الصورة والواقعة كما هي، والمساءلة والتشكيك وطرح الاستفسارات عند الضرورة.

لم تكن التغطية كذلك أبدا، بل هي تحولت إلى حفلة زجل لبنانية واكتفاء ببيانات عسكرية ودعاية سلبية للجيش. وأعني بالدعاية السلبية ذاك الدور الببغائي في نقل بيانات وتسريبات مصادر أمنية مقرونة بترويج شكلي ساذج، والتجاهل شبه الكامل لكيفية تعرض الجيش لهذه النكسة، وأيضا لمحنة عشرات آلاف المدنيين المحاصرين واللاجئين الذين احترقت خيمهم بفعل القصف وسقط ضحايا لهم من بينهم أطفال، وتحولوا إلى هدف مباشر للإعلام ولسياسيين من خلال تحميلهم مسؤولية دخول المسلحين وإيوائهم.

انخرط فنانون وإعلاميون ومشاهير في حملة تضامن فلكلوري من خلال أغنيات وعبارات رنانة من شاكلة «الأمر لك» و«اضرب» و«ادعس»، وكلمات فاض بها قاموس النفاق وتعميم الكراهية ضد إما سكان عرسال أو ضد اللاجئين السوريين، ووسمهم بأنهم جميعا «نصرة» و«إرهابيون». وها هي صحافية لبنانية تدعو في تغريدة لها لأن يقتل كل لبناني سوريا، فتعود وتعتذر عما قالته.
نعم، هاجم مسلحون إرهابيون موقعا أمنيا فقتلوا وأخذوا جنودا وضباطا رهائن، بل وأخذوا البلدة رهينة بمن فيها من مدنيين لبنانيين ولاجئين سوريين ناهز عددهم مجتمعين المائة وخمسين ألفا. تلك حادثة من أخطر الأزمات التي مر بها لبنان وجيشه وشعبه.
إزاء واقع دقيق كهذا، كيف قرر التيار الغالب على الإعلام المواجهة؟

كان القرار بإعلان المراقبة الذاتية وبالانصياع لقرار الجيش بعدم دخول الصحافيين إلى عرسال بحجة الأمن، والاكتفاء ببث ما يقوله الجيش، فباتت الأنباء واحدة والصور أيضا. دعم الإعلام الجيش بأن ارتضى ترداد ما يقوله وما يسمح بتصويره، واستقال من دوره في تغطية وكشف ما جرى ويجري في عرسال.
نعم، يجب التضامن الكامل مع ذوي الضباط والجنود الذين سقطوا إما قتلى وإما رهائن، والذين غطى الإعلام حكايتهم وسيرهم، لكن ماذا عن المدنيين؟ ماذا عن المحاصرين والخيم التي أحرقت والأطفال الذين قتلوا وتسربت صورهم عبر الهواتف النقالة؟
الإعلام اللبناني بمعظمه لم يعتبر أن قصة المدنيين في عرسال هي قضيته.. طغت على استجابة الإعلام نداء الجيش نوازع طائفية، وهذه سقطة لطالما وسمت هذا الإعلام ولطالما أعاقت نضوج خيارات مهنية وأخلاقية ووطنية.
الوطنية ليست فاشية..

وقرار دعم الجيش هو قرار محق ولكن هذا الدعم لا يخلو من إشكاليات؛ فهو يتعارض مع طبيعة العمل الإعلامي ودور المراقبة ونشر الحقيقة من دون تجميلها.
كيف دخل إرهابيو النصرة وداعش إلى لبنان؟ وماذا جرى في عرسال؟ وما هي التسوية التي أتاحت لهم الانسحاب ومعهم رهائن؟ وما هو دور «حزب الله»؟ وكيف يؤثر الانقسام السياسي وقتال «حزب الله» في سوريا على دور الجيش وسلطته؟ ولماذا التغاضي بل والتسامح مع حملات كراهية ضد اللاجئين السوريين في لبنان؟
تلك بعض من أسئلة لن يستقيم «الدعم» الإعلامي المفترض من دون نقاشها.