من البوعزيزي إلى الساروت

صورة محمد أحمد بنّيس
المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13يونيو/حزيران2019
العربي الجديد

بين إضرام الشاب التونسي، محمد البوعزيزي، النار في جسده احتجاجا على مصادرة بلدية سيدي بوزيد عربة الفواكه التي كانت مصدر رزقه، ومقتلِ عبد الباسط الساروت، قبل أيام، في مواجهات مع قوات الجيش السوري في ريف حماة، تسعة أعوام جرت فيها مياه كثيرة تحت جسور السياسة العربية، واشتبكت فيها الأحلام والانتكاسات بشكل غيّر ملامح المنطقة.
وإذا كانت الشُعلة التي أضرمها البوعزيزي، بجسده، قد أضاءت مساحة من الطريق أمام التونسيين لإنجاز ثورتهم المعلومة، قبل أن تنتقل شرارتها إلى محيطها العربي، فإن مقتل الساروت لا يختزل فقط ما آلت إليه الثورة السورية المغدورة، بقدر ما يحيل، كذلك، على مساحةٍ موازيةٍ أخرى، تبدو فيها معظم الثورات العربية في حاجةٍ لإعادة النظر في سيروراتها واستراتيجياتها، بعد أن تكالبت عليها الثورات المضادة، وحرّفت مساراتها نحو الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ليس مقتل منشد الثورة السورية مجرّد خبر عابر في يوميات المأساة السورية بكل تفاصيلها المؤلمة، إنه العنوان الأكثر دلالةً على الإفلاس الأخلاقي والسياسي للنظام السوري الذي لم يكتف باستباحة دماء شعبه وتهجيره، ودكِّ مدنه وقراه، وتدمير اقتصاده، وتغذية الأحقاد الطائفية والمذهبية فيه، وتحويل البلاد إلى حلبة مفتوحة للتقاطبات الإقليمية والدولية، بل أسهم في إحداث حالة من الانسداد السياسي والاجتماعي والنفسي غير المسبوقة. وهو في ذلك يختزل المأزق البنيوي للنخب العربية الحاكمة، وعجزَها عن الاهتداء إلى حلولٍ وسطى تجنّب بلدانها وشعوبها الدمار والخراب والفوضى. ولم يكن عبثا أن يسوِّق هذا النظام، منذ بداية الأحداث في 2011، شعاره ''الأسد أو نحرق البلد'' الذي يعكس ثقافةً سياسيةً تنبني على السطوة والخوف والخضوع.
بدأ الربيع العربي مع الشرارة التي أطلقها البوعزيزي في وسط تونس، ثم سرعان ما انتقل إلى ميادين القاهرة وبنغازي وصنعاء والمنامة ودرعا وغيرها. وفي الوقت الذي بدت فيه الطريق سالكة أمام شعوب المنطقة لانتزاع حقوقها المشروعة في إنهاء الاستبداد والفساد وإقامة أنظمة ديمقراطية منتخبة، سيعرف هذا الربيع منعرجاتٍ دراماتيكية، خرجت بمعظم ثوراته عن طورها السلمي، ودفعت بها في اتجاه الاحتراب الأهلي والفوضى. وتحولت ساحات القتال في سورية وليبيا واليمن إلى مختبراتٍ مفتوحةٍ لتجريب وصفات القوى الإقليمية والدولية في تفكيك البنى المجتمعية، وضرب السلم الأهلي والاجتماعي، وإنهاك القوى المدنية والديمقراطية واستنزافها، ودعم التنظيمات والجماعات الجهادية والمتطرّفة، ودفع هذه الشعوب إلى حافّة اليأس والإحباط.
بهذا المعنى، يصبح الساروت عنوانا صارخا لهذا المسار المأساوي الذي قطعته الثورات العربية طوال الأعوام التسعة الفائتة، وإن كان ذلك، بطبيعة الحال، أكثر دلالةً وتعبيرا في الحالة السورية. وهو المسار الذي بدأ بمسيراتٍ ومظاهراتٍ سلمية حاشدة تطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية، قبل أن تدخل قوى الثورة المضادة في الإقليم على الخط، لتنعرجَ بهذه الثورات بعيدا عن أهدافها التي كانت تتطلع إلى تحقيقها، مُفسحةً المجال أمام التطرّف الأصولي الأعمى، ليُعمِل فيها إجهاضا وإفسادا، ويَحُول دون تحولها إلى مشاريع جادّة للتحول الديمقراطي. وقد كان الحصاد مأساويا، سيما في غياب تنظيمات حزبية ومدنية قادرة على تدبير تداعيات هذه اللحظة التاريخية المفصلية.

 

ومرة أخرى كان ذلك أفدح في الحالة السورية بسبب عجز المعارضة، بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية، عن النزول إلى الأرض والالتحام بيوميات الثورة ودينامياتها، وتخفيف معاناة السوريين، واحتضانِ عبد الباسط الساروت وأمثاله من شباب سورية الذين تقطعت بهم سبلُ الثورة، ووجدوا أنفسهم وحيدين بلا خيارات سياسية وميدانية، غير الالتحاق بالتنظيمات والجماعات المسلحة المختلفة.
يرمز سقوط الساروت، أو بالأحرى استشهاده، إلى سقوط نظام الأسد والمعارضةِ والجماعات المسلحة والقوى الإقليمية والدولية التي خطفت من الشعب السوري ثورته، وأحالتها إلى مقتلة مفتوحة. وقد يكون في تزامن موته مع وصول الحراك الشعبي في السودان والجزائر إلى ذروته ما يوحي بأن نجاح الموجة الثانية للربيع العربي رهينٌ بمدى قدرتها على الاستفادة من أخطاء الموجة الأولى التي فجر شرارتها محمد البوعزيزي قبل تسعة أعوام.