من سيشارك بشار الأسد زنزانته في لاهاي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

7/4/2015
السورية نت
المؤلف: 

يحلم السوريون باليوم الذي يشهدون فيه محاكمة رموز النظام بدءاً من رأسه وحتى آخر مجرم فيه، وذلك عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبوها وما زالوا يرتكبونها والتي ترقى في جلها إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.

منذ بداية الثورة السورية والقمع الوحشي التي تعرض له المواطنون السوريون العزل، بدأت جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية المعنية بالأمر، التابعة للأمم المتحدة منها، وتلك المستقلة، بتوثيق جرائم النظام السوري، وصدرت العديد من التقارير الدولية حول هذه الانتهاكات الجسيمة، حيث طالبت غالبيتها العظمى بإحالة ملف سورية إلى محكمة الجنايات الدولية؛ وهو مطلب تبنته المعارضة السورية إن كان من خلال المجلس الوطني أولاً، أو عبر خليفته، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، تالياً.

إلا أنه ومنذ بداية العمل المعارض المسلح، تم رصد مجموعة من الإساءات التي ارتكبتها فصائل المعارضة السورية المسلحة، وتم تسجيل عدد من الخروقات للقانون الدولي الإنساني ارتكبت من أكثر من طرف سوري معارض. وبشكل طبيعي، ومع استمرار القتال وتزايد أعداد المجموعات المعارضة المسلحة، بدأت الإساءات والخروقات التي ترتكبها هذه المجموعات بالتزايد، كما ازدادت جسامتها مع الوقت، ويمكن ببساطه ملاحظة ارتفاع حجم الحيز الذي بدأت تشغله هذه الانتهاكات ضمن التقارير الدولية الراصدة للواقع السوري منذ مطلع العام 2012، إن كان بالشكل أو بالمضمون.

وتتصدر أعمال لجنة التحقيق الدولية المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان في سورية، والتي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منذ بدايات انداع الثورة في سورية، اهتمام المجتمع الدولي، باعتبارها اللجنة الأممية الدولية الوحيدة التي تقوم بهذه المهمة؛ والمصدر الأساس لتوثيق الانتهاكات الجسيمة المرتكبة على الأراضي السورية، تليها في ذلك تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية، وعلى رأسها كل من منظمة العفو الدولية "Amnesty International" وهيومان رايتس ووتش "Human Rights Watch" وهما المنظمتان الأكثر شفافية ومصداقية في هذا المجال، وتمتلكان سمعة دولية باعتبارهما الأكثر احترافاً.

وإن كان من المفهوم أن تحدث تجاوزات من قبل فصائل المعارضة المسلحة في بداية الحراك المسلح، إن كان بسبب جهلها بالقانون الدولي الإنساني، أو لعدم وجود قيادة قوية تضبط منطق الثأر لدى المقاتلين، فإن التقارير الدولية الأولية كانت تحمل النظام المسؤولية الأساسية عن جميع الانتهاكات الحاصلة، وفق مبدأ القانون الدولي الملزم للحكومات "بحماية شعبها من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة"؛ كذلك أكدت التقارير الدولية خلال العامين الأوليين للثورة على عدم التناسب أو التوازن بين انتهاكات المعارضة وانتهاكات النظام، بحيث دأبت على الإشارة إلى أن انتهاكات النظام تفوق حجم ونوع انتهاكات المعارضة بأضعاف، وأنه لا يمكن مقارنة الانتهاكات بين الطرفين. كذلك برز اختلاف جوهري بين انتهاكات النظام وتجاوزات المعارضة، تمثّل في كون جرائم النظام تحمل طابع "العمد" وبالتالي اعتبرت جرائم "منهجية"، الأمر الذي يسمح وفق القانون الجنائي الدولي بمحاسبة كبار قادة النظام وفق تسلسل القيادة العسكري، والذي يصل لرأس الهرم، أي لبشار الأسد بشخصه؛ كما أن أياً من هؤلاء لا يستطيع التحجج بعدم علمه بحدوث انتهاكات جسيمة أو جرائم حرب، حيث أنهم مسؤلوون مسؤولية مباشرة عن أعمال مرؤوسيهم، ومن هم خاضعون لقيادتهم.

للأسف فإن هذا الواقع تغير منذ مطلع عام 2013، وصولاً لليوم الذي بدأت فيها انتهاكات المعارضة تتساوى مع انتهاكات النظام، إن لم تكن قد فاقتها بما يختص بالانتهاكات التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"؛ وقد يكون من حسن حظ المعارضة أن انتهاكات داعش قد طالتها، وأن التقارير الدولية باتت تفرد قسماً خاصاً لداعش باعتبارها طرفاً مستقلاً غير محسوب على المعارضة السورية المسلحة. كذلك فإن تقارير لجنة التحقيق الدولية المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان، وصّفت في آخر تقريرين لها انتهاكات المعارضة المسلحة باعتبارها "منهجية"، أي أنها تحصل وفقاً لأوامر واضحة، أو بعلم تام على الأقل من قبل قادة الفصائل بتصرفات مقاتليهم. وذكر التقرير الأخير للجنة أن "الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، ارتكبت مجازر وجرائم حرب شملت القتل العمد والإعدام دون مراعاة الأصول القانونية الواجبة والتعذيب وأخذ الرهائن، وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني كالإخفاء القسري والاغتصاب والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية، والهجوم على الأعيان المحمية. واستُهدف العاملون في المجالين الطبي والديني والصحفيون. وحاصرت الجماعات المسلحة أحياء مدنية وقصفتها قصفاً عشوائياً، وبثت في بعض الحالات الرعب في صفوف المدنيين بتفجير السيارات المفخخة في المناطق المدنية"؛ أما تقرير هيومان رايتس ووتش الأخير فقد فصّل ورصد عدداً كبيراً من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات المعارضة ضد المدنيين القاطنين في أماكن سيطرة النظام، وفي أكثر من منطقة على الأراضي السورية.

جرت عدة محاولات سياسية من قبل أطراف المعارضة السورية، لدفع المجموعات المقاتلة للتخفيف من الممارسات المخالفة للقانون الدولي، ويبرز في هذا المجال توقيع كل من حركة حزم والقوات المسلحة الكردية  (YPG)  على اتفاقيات جنيف الأربعة، وإعلانهما الالتزام التام بأحكام قوانين الحرب، فيما أكدت البيانات الصادرة عن الجيش الحر الالتزام باحترام قوانين الحرب، ولكن فيما خلا ذلك، فإن أياً من الفصائل الأخرى لم تفعل المثل. كذلك برز عمل أحد أشهر المنظمات غير الحكومية في هذا المجال، وهي منظمة "نداء جنيف" “Geneva Call”، حيث بذلت هذه الأخيرة جهوداً كبيرة، بالتعاون مع عدد من المنظمات السورية غير الحكومية، في تقديم الإرشادات اللازمة والكتيبات الشارحة لمقاتلي المعارضة السورية والتي تساعدهم على تفادي ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. كما كان لعدد من المنظمات الأخرى دور في طباعة ونشر الكتيب الإرشادي الخاص بتطابق قواعد الشريعة الإسلامية مع معاهدات جنيف الأربعة، وهو المنشور الأشهر المعد والصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

لكن وللأسف، فإن التزام فصائل المعارضة السورية بقي ضعيفاً جداً، وتغيب حتى هذه اللحظة أي استراتيجية سياسية مركزية تقوم على إلزام المعارضة السورية المسلحة باحترام القانون الدولي الإنساني، ويبقى جهد الائتلاف والأطراف السياسية السورية الفاعلة الأخرى، ضعيفاً جداً وغير ملحوظ في هذا السياق؛ لا بل على العكس تبرز تبريرات مجموعات المعارضة المسلحة بالاعتماد على مبدأ أن جميع الوسائل مشروعة لمقاتلة نظام بشار الأسد نتيجة الطبيعة الإجرامية الوحشية للنظام، وأنه يمكن مهاجمة السكان المدنيين، الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام انتقاماً من الهجمات التي تستهدف المدنيين من طرف المعارضة؛ كما أن حالة الغبن واللاعدالة التي يشعر بها السوريون الثائرون في وجه النظام بسبب الخذلان الدولي لهم، وضعف الأمل بإمكانية محاسبة مجرمي نظام الأسد على جرائمهم التي يرتكبونها بحق الشعب السوري، خلق حالة اجتماعية مؤيدة لانتهاكات المعارضة المسلحة، وفي أفضل الأحوال يتم غض الطرف عنها وعدم معارضتها علناً (مع ملاحظة وجود استثناءات قليلة). لكن القانون الدولي الإنساني (أو قانون الحرب) لا يعترف بمثل هذه التبريرات، ولا يقيم لها وزناً؛ فالمبدأ العام يقتضي التزام كل طرف من أطراف النزاعات المسلحة بقواعد القانون بمعزل عن الأعمال التي يرتكبها الطرف الآخر، حيث أن احترام القانون لا يخضع لمبدأ المعاملة بالمثل.

وعليه وإن كانت الرغبة صادقة بتحقيق حلم السوريين بمحاكمة بشار الأسد وأركان نظامه ومجرمي الحرب في لاهاي، يتوجب الانتباه إلى أن مثل هذه المحاكمة، وإن تمت، فإنها ستشمل جميع مرتبكي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على الأراضي السورية، دون أي نظر لموقفهم السياسي، أو لأي تيار ينتسبون إليه. تفادياً لهذا الأمر، من المفيد أن يبدأ الائتلاف وكذلك التيارات السياسية السورية المعارضة باعتماد استراتيجية مركزية ترتكز على النقاط التالية كمرحلة أولى يجب تطبيقها دون أي تأخير:

  1. الضغط على الفصائل المقاتلة لإعلان التزامها بقوانين الحرب، وتوقفها الفوري عن شن هجمات عشوائية ومتعمدة وغير متناسبة على المدنيين في أي مكان يتواجدون فيه.
  2. التوقف عن استهداف المناطق المدنية بالأسلحة المتفجرة عشوائية الأثر (مثل الهاون).
  3. إطلاق برنامج تدريب واسع وشامل لمقاتلي المعارضة على احترام القانون الدولي الإنساني، والضغط السياسي على الدول الداعمة والحليفة للمعارضة المسلحة، كي تربط تقديم الدعم والسلاح بمدى التزام المجموعات المسلحة المستفيدة بقوانين الحرب.
  4. إطلاق آلية محاسبة ذاتية ضمن أجسام المعارضة السورية، واتخاذ التدابير التأديبية اللازمة ضد العناصر الذين يرتكبون انتهاكات لقوانين الحرب وغيرها من انتهاكات.
  5. يجب وقف أي تعاون أو تنسيق مع المجموعات المسلحة التي تتواجد أدلة واضحة على أنها ارتكبت انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين.
  6. يجب التنديد بشكل علني بالهجمات غير القانونية التي تشنها مجموعات المعارضة على المدنيين.

" لا شك بأن القانون الدولي الإنساني يسري على جميع النزاعات المسلحة بعض النظر عن الطرف الذي يملك قضية محقة من الطرف المعتدي. ولطالما كان النظام مجرماً بحق الشعب السوري الثائر منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة؛ ولطالما أيضاً كانت الثورة ومؤيدوها أصحاب قضية محقة في وجه الظلم والاستبداد؛ لذا وجب على جميع القوى السياسية والعسكرية الثائرة الابتعاد عن تبني عقلية النظام وممارساته اللا-أخلاقية وفساده، سياسياً؛ وكذلك الابتعاد عن جرائمه وانتهاكاته، عسكرياً.

لقد دافع بعضهم عن "طهرانية" الثورة وضرورة بقائها نظيفة، فيما حاجج بعض آخر باستحالة ذلك لا سيما بسبب طبيعة النظام الوحشية، وجسامة جرائمه، وكلا الخيارين قابلين للنقاش؛ ولكن من المؤكد أنه من الممكن اعتماد ممارسات النظام ومدى التشبه بها، أو الابتعاد عنها، كخيار سياسي "براغماتي"، وكمعيار يسمح بضبط بوصلة العملين السياسي والعسكري للمعارضة السورية بمختلف أطيافها، كي لا يشارك أحد بشار الأسد في زنزانته، إن كانت في دمشق أو في لاهاي، سوى أشباهه.