من عاصفة الحزم إلى قوة عربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/3/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

حسمت السعودية أمرها أخيراً، وبدأت مع دول مجلس التعاون الخليجي، فيما عدا سلطنة عمان، عملية حربية، سميت عاصفة الحزم ضد حوثيي اليمن. وأعلنت الرياض أنها تهدف إلى إعادة الشرعية إلى سيطرتها على المراكز والمؤسسات في اليمن. وفي ذلك، تستند العملية إلى تضامن أوسع عربياً ودولياً، يبرز فيه الدعم الأميركي بشكله اللوجستي والمخابراتي حتى اللحظة. ومن المفهوم أن حزم العملية لم يأت استجابة لطلب الشرعية الممثلة بالرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، ولا للخسائر البشرية والاقتصادية والفوضى الناتجة عن الصراع اليمني الداخلي، وهما أمران لهما دور في تبرير العملية، وإقرار تدخلها العسكري. لكن، من المسلم به أنه كان للمصالح الاستراتيجية الدور الحاسم في الأمر، نظراً لتهديد وصول الحوثيين إلى عدن، وسيطرتهم، بالتالي، على باب المندب، وما يعنيه ذلك من امتداد سيطرة حلفائهم الإيرانيين على الخليج العربي والبحر الأحمر والمضائق الكبرى. وبما يمثله داعم الحوثيين من خصم إقليمي له مطامح إمبراطورية، يمكن لها أن تتحكم بتجارة البترول، وحركة ناقلات النفط ومساراتها مع الغرب.

بالتوازي مع بدء هذه العملية، اتخذ مؤتمر وزراء الخارجية العرب، في شرم الشيخ تحضيراً لمؤتمر القمة العربية السادس والعشرين، مشروع قرار بإنشاء قوة حفظ سلام عربية، ضمن مشروع أكبر بشأن تطوير جامعة الدول العربية (النظام الأساسي المعدل لمجلس السلم والأمن العربي). يتضمن، فضلاً عن ذلك، إقامة هيئة حكماء، لحفظ الأمن ونزع فتيل الخلافات والتصدي لأعمال العنف والإرهاب. ويعني مشروع "قوة حفظ السلام العربية" تكوين الدول الأعضاء فرقاً عربية جاهزة متعددة الأفرع، تضم عناصر عسكرية ومدنية، تتمركز في دولها الأصلية، تكون مستعدة للانتشار السريع عند الحاجة.

وتشير عملية عاصفة الحزم إلى يقظة خليجية وعربية، طال انتظارها، وقد تحركت أخيراً، إثر مخاطر جدية، تهدد الحديقة الخلفية لدول الخليج، والمكانة الاستراتيجية لها ولجوارها العربية. وبينما يأتي هذا التحرك أو اليقظة تحت تأثير عوامل مباشرة وراهنة، فإن مشروع قوة حفظ السلام العربية يشير إلى مشروع أكبر، شكل هاجساً عربياً مديداً، وعبرت عنه طموحات عديدة، لتطوير مشاريع تعاون عسكري عربي، طالما ترددت وتعثرت أمام موازين القوى المحلية وتحالفاتها الدولية. كان من أوائلها مجلس الدفاع العربي المشترك، وبرز بينها قرار تشكيل قوة الردع العربية التي فتحت الباب لسيطرة النظام الأمني السوري على لبنان حوالي ثلاثين عاماً، بينما مثلت بعثة المراقبين العرب إلى سورية، بعد بدء الثورة فيها، أضعف ملامح تلك المشاريع!

في الواقع، ومنذ وضوح المطامح الإمبراطورية لإيران، تحت غطاء تصدير ثورتها الدينية، حاولت السعودية، متزعمة دول مجلس التعاون الخليجي، احتواء تلك المطامح وامتداداتها، والتعامل معها بصور ودرجات مختلفة، لكنها لم تصل إلى درجة التصدي العسكري إلا اليوم، وفي الأزمة اليمنية. وذلك بالمقارنة مع مستوى تصديها لتلك المطامح وامتداداتها في لبنان والعراق، وأخيراً في سورية خصوصاً. ولا يمكن تفسير الفارق في مستوى تدخلها هذا، بالعامل المذهبي وحده، وهو عامل، إن كان حاضرا اليوم، لكن من المعروف أنه لم يكن كذلك تاريخيا، ذلك أن السعودية سبق أن ساندت الإمامية اليزيدية ضد التدخل المصري في الستينيات، وبالنتيجة، لم يحسم أمر تدخلها اليوم سوى تمادي خطر الخصم الإيراني وتهديده بالإخلال بتوازن القوى الإقليمية والمحلية، بصورة استراتيجية واضحة.

من جهتها، المأساة السورية، والتدخل الإيراني الفاضح فيها، ضمن القوس الشمالي لشبه الجزيرة العربية (لبنان، سورية، العراق)، لم يشكلا مثل ذلك العامل الحاسم، ولم يؤديا إلى تدخل عربي مماثل. ليس بسبب ضعف البعد الجغرافي وتشتته، وتوتر العامل المذهبي واختلاطه بالإرهاب المتنامي، لكن، بسبب ضعف القيادة العربية، أيضا، وخضوعها إلى التوازنات الدولية السائدة مجدداً، والتي أحسنت هجومية قيصر الكرملين ابتزازها، وتمكنت من مبارزة سياسة سيد البيت الأبيض. وهي السياسة التي انسحبت من جهتها، مغلبة مصالح التفاوض في الملف النووي مع إيران، على كل المصالح الأخرى.

اليوم، إذا كانت عاصفة الحزم تشكل ذلك التغير الاستراتيجي في المنطقة، وستكون لها عقابيل عديدة على مجمل المواجهات مع السياسة الإيرانية في المنطقة، فإن مشروع قوة حفظ السلام العربية تبدو خيالاً محضا، وستبقى مجرد فرضيات، لن تأخذ فرصتها في عالم الواقع، إلا إذا تابعت الإرادة العربية الجديدة عزمها، وعملت على توحيد الصف العربي، والخليجي في مقدمته، فتغلبت على تحفظات بعضهم وطمأنت هواجس الآخرين. لكن منطلقة أساساً من كون خطر التهديد الإيراني الاستراتيجي في الشمال لا يقل عن خطره في الجنوب، ومن أن "أنصار الله" في اليمن ليسوا سوى طبعة أخرى من حزب الله في لبنان، كما أن إرهاب السلفيين في ليبيا لا يقل عما يقترفه حلفاء ولي الفقيه. وهم أولئك الذين وجدوا فرصتهم في تخبط العالم العربي وانعدام مركز قيادي له، ما سمح لهم بتجريب مجالهم الحيوي فيه، كي يحاولوا الاستبداد بإمكاناته وبشعوبه، على طريق وعد تاريخي آخر، يستدعي بناء إمبراطوريتهم الفارسية، مع تسليحها مجددا بإيديولوجيا مذهبية، تستثمر التحشيد الجماهيري تلغي أي أفق للمواطن والإنسان.