من مخيم اليرموك إلى السويد.. قصة منال التي تحدت الصعاب لأجل طفليها

لاجئون في البحر ـ أرشيف
سبت 10 فبراير / شباط 2018

"منال الناجي" أم فلسطينية سورية عايشت وطفليها المأساة السورية بكافة تفاصيلها، فكانت مثالاً للأم الصابرة والصامدة رغم القهر والعذاب والمعاناة المتكررة.

"منال" شابة لاجئة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق، تعود أصول عائلتها إلى طيرة حيفا في فلسطين المحتلة، درست تصميم الأزياء وعملت في معمل للألبسة خلال وجودها في سورية، أرملة ولديها طفلان أحدهما عمره (7 سنوات) والآخر (5 سنوات).

بدأت معاناتها حين تم استهداف مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بعدما سمي بمجزرة "الميغ" في نهاية عام 2012 وما تلاه من إجراءات عقابية بحق أهالي مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق.

وتقول "منال" بعد مجزرة "الميغ" بدأ الحصار الجزئي على المخيم يشتد شيئاً فشيئاً، كان زوجي يخرج من المخيم عبر حاجز جيش النظام والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة ليحضر لنا بعض حاجاتنا الأساسية، إلا أنه بتاريخ 1/7/2013 تم اعتقاله دون أي تهمة أثناء خروجه لمتابعة بعض المعاملات في دائرة الهجرة والجوازات السورية، وعلمنا فيما بعد أنه تم توقيفه لمدة أسبوعين في بنايات القاعة، وهي أبنية مجاورة للمخيم، ومن ثم تم نقله إلى أحد الأفرع الأمنية.

بعدها بقيت أنا وطفلي وحدنا داخل المخيم المحاصر، حيث عانينا من الحصار الذي بدأ يشتد يوماً بعد يوم، ففي البداية كانت المجموعات الفلسطينية التي تواجدت في المخيم تقدم المساعدات للأهالي وهي عبارة عن حصص غذائية كانت تكفينا نوعاً ما، لكن بعدها بدأ الحصار يشتد بشكل كبير.

مع اشتداد الحصار أصبح الخبر اليابس طعامنا الوحيد، طبعاً الخبز بطبيعة الحال غير صالح للأكل عليه الكثير من العفن، إلا أننا أصبحنا نغسله بالماء ومن ثم ننشفه وبعدها نحمصه ويعتبر وجبتنا الرئيسية.

بعد أسابيع قليلة اشتد الحصار حتى أصبح الخبز اليابس صعب المنال، فصرنا نتناول حساء البهارات، المكون من مجرد الماء وعليه بعض البهار في محاولة لإقناع أطفالنا أننا نتناول شيئاً من الطعام.

كان شقيق زوجي الأصغر يساعدنا بتأمين الطعام وخاصة حليب الأطفال لطفلي الرضيع، لكن تشديد الحصار لم يدع لنا القدرة حتى على تأمين الحليب لطفلي.

بعد ذلك تمكنت وطفلي من الخروج من مخيم اليرموك بمساعدة الهلال الأحمر وذلك ضمن الحالات الإنسانية التي تم إخراجها من المخيم في نهاية 2013.

رحلة لجوء

بدأت رحلتي عندما خرجت من المخيم، لأبقى عند أقربائي مدة 7 أشهر، بعدها سافرت إلى لبنان حيث كانت المعاناة الكبيرة، عشت في مخيم البداوي بطرابلس، عانيت من العنصرية وتقصير الفصائل الفلسطينية تجاهنا، والتدخل الكثير لما يسمى اللجنة الأمنية في المخيم، التي لا عمل لها سوى إزعاج اللاجئين من فلسطينيي سورية.

في المخيم لا يوجد عمل والإيجارات كانت مرتفعة جداً، لم يكن لنا سوى مساعدات الأونروا التي قُطعت هي أيضاً عنا، بقينا حينها دون أي دعم لنواجه مصيرنا بالتشرد والمعاناة، فقد كان الهم الأكبر للاجئين أن يتمكنوا من تأمين  إيجار المنازل خصوصاً في ظل انعدام فرص العمل.

لقد عانينا في لبنان من أن الجميع كان يحسبنا على المعارضة السورية، فأخذوا يضايقوننا ويتشفون بمعاناتنا ويشمتون بأوضاعنا.

أمام كل تلك الظروف قررت الهجرة نحو أوروبا، وفعلاً بدأت بالتحضير لرحلتي التي لم تكن إلا أصعب مما أعيشه.

عدت من لبنان إلى سورية متجهة إلى طرطوس ومنها إلى حلب، شكل الطريق مأساة حقيقة لنا، حيث مررنا على أكثر من 56 حاجزاً عسكرياً لجيش النظام، تعرضنا للكثير من الإهانات على الحواجز من كلام قذر وأسئلة كثيرة.

بعد الكثير من العذاب الذي لا تتسع السطور لذكرها وصلت إلى مخيم النيرب في حلب، وبعدها بدأت رحلة اللجوء والعذاب من جديد، حيث كان علينا أن نكمل معظم طريقنا سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى آخر حاجز للنظام وبعدها حواجز للجيش الحر، وخلال رحلتنا قامت جبهة النصرة بإغلاق الطريق الذي يصل إلى تركيا.

أمضينا يوماً كاملاً محتجزين في أحد النقاط التابعة للنصرة، وكان يومها القصف شديداً قذائف وطيران ورشاشات كانت ليلة مرعبة توقعنا فيها الموت بأي لحظة، وكنت خائفة كثيراً على حياة أطفالي الصغار.

بعد أن سمح لنا بمتابعة الطريق، بت أنا وطفلي عند عائلة تعرفت عليها خلال احتجازنا، ارتحنا لمدة ثلاثة أيام، وبعدها أكملت طريقي أنا وطفلي وحدنا، حينها لم يعد هناك تشديد على الحدود التركية، ووصلت أخيراً إلى مدينة إزمير التركية التي انطلقنا منها بالبحر نحو اليونان.

أمواج قارب صغير

خرجنا نحن أربعون لاجئاً عن طريق مهرب فلسطيني كان يقيم في مدينة أزمير، وقال لنا إن المركب لا يتحمل سوى 40 شخصاً، وسلمنا بدوره إلى مهرب تركي قام بإضافة حوالي عشرين شخصاً إلى المركب، وعندما رفض بعض الشباب ذلك، تعرضوا للضرب والإهانة فصمتنا وتابعنا خيارنا الوحيد فلا مجال للعودة.

كانت الأمواج مرتفعة والوضع مخيف، بقينا نصارع الموت حتى وصلنا إلى المياه الإقليمية اليونانية، حيث أنقذنا خفر السواحل اليونانية وأوصلونا إلى اليابسة.

بقينا في اليونان لعدة أيام وبعدها أكملنا سيرنا نحو الشمال الأوروبي، كانت الرحلة شاقة خصوصاً أنني لوحدي مع طفلي الصغيرين اللذين لولا خوفي عليهما وعلى مصيرهما لما تمكنت من إكمال رحلتي سيراً على الأقدام وركوباً للقطارات ومعاناة على الطريق أثناء تنقلنا بين العديد من البلدان حتى وصلنا أخيراً إلى السويد.

في الشهر الرابع من عام 2016، وصلتني معلومات عن طريق أحد المفرج عنهم من أحد الأفرع الأمنية السورية أن زوجي أخرج للتعذيب في أحد الأفرع التابعة للمخابرات الجوية ولم يعد، وكان معروفاً أن من يخرج إلى التعذيب في ذلك الفرع ولا يعد يعني أنه توفي، إلا أنني لم أخبر أحداً حينها بالقصة، وبقيت صامتة إلى أن تأكدنا عن طريق أحد المعارف أن زوجي توفي تحت التعذيب في سجون النظام، بعد يومين من محاكمته التي لم تدنه بشيء!، وبعدها تمت دعوة أهله لاستلام أغراضه الشخصية.

الآن نعيش في السويد أنا وطفلي، ولدينا تحديات كبيرة خصوصاً أننا نعيش في بلدة نائية المواصلات فيها قليلة جداً وتتوقف خلال العطل، لكن ورغم ذلك بدأت بتعلم اللغة، والبحث عن عمل، فالآن حياتي كلها متعلقة بطفلي، أحاول التخفيف عنهما ومن معاناتهما خصوصاً طفلي الأول الذي شهد المأساة التي عشناها من حصار وفقدان لوالده والقصف والمعاناة في لبنان وعلى طريق الهجرة.

الآن كل ما أتمناه أن يعيش أطفالي حياة بعيدة عن الحرب والخوف، وأن أستطيع أن أعوضهما عما عاشوه من ظلم ومخاطر خلال الحرب السورية.

اقرأ أيضاً: بعد قصفها أهدافاً إيرانية بسوريا.. إسقاط طائرة F16 إسرائيلية ونجاة الطيارين

المصدر: 
مجموعة العمل من أجل فلسطيني سوريا ـ السورية نت

تعليقات