من ممهدات الثورة السورية الكبرى -نهضة المشايخ

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

أثناء احتلالهم لسورية بذريعة الانتداب، لم يأمن الفرنسيون على أنفسهم يوماً في دمشق ولا في غيرها من المدن السورية، ويذكر من عاصر فترة الانتداب الفرنسي أن الجنود الفرنسيين كانوا يسيرون في شوارع المدن السورية جماعات، لأن الجندي الفرنسي لم يكن يأمن على نفسه إذا سار وحيداً.

وعندما دخل الفرنسيون إلى دمشق، اجتمع المجلس العسكري التّابع للفرقة الثّالثة من الجيش الفرنسي في الشّرق في 19 أغسطس/ آب 1920م، وأصدر حكماً بإعدام مجموعة كبيرة من الوطنيين الّذين قاوموا الاحتلال، وقام بنفي آخرين، ومصادرة أموالهم بينهم مجموعة كبيرة من الدمشقيين([i]).

ويكفي أن نذكّر بقول الجنرال ويغاند([ii]) المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في حفلة إزاحة الستار عن النصب التذكاري الذي أقيم لقتلى جيش الشرق في بيروت سلخ ذي القعدة 1342 (حزيران 1924): حيث قال: "بعد الهدنة سكت المدفع في أوروبا إلا من الشام، وكانت الأمهات الفرنسيات يعتقدن بأنهن سيشاهدن أولادهن إلى جنبهن فاضطرت فرنسا إلى إرسال أولادها إلى ساحات القتال"([iii]).

وكانت الثورة السورية الكبرى، التي انطلقت في يوليو/ تموز 1925م من جبل العرب وامتدت إلى كل أرجاء سورية، مطالبة بتحرير بلاد الشام، وليس سورية فقط([iv])، تستند إلى أرضيات صلبة عند السوريين في كل المدن السورية.

وفي دمشق بلد العلم والعلماء، ظهر الشيخ محمد علي الدّقر([v])، والشيخ هاشم الخطيب([vi])، واللذان قاما بإنشاء جمعية "الغراء"، والتي كان لها أثر كبير في التربية والتعليم، حيث كان للشيخ الدقر شعبية كبيرة بين الناس بسبب مواعظه ودروسه، وكان الشيخ الخطيب عالماً ومدرساً وله مؤلفاته ومكانته الاجتماعية.

وكان أستاذهما هو "المحدث الأكبر" محمد بدر الدّين الحسني([vii])، الذي يُحكى عن أخلاقه وفضله الكثير، فقد كان عالماً متواضعاً، نذر حياته للاشتغال بالعلم والتعليم ونُصح الناس.

وقد علم الشيخ بدر الدين بنشاط طالبيه (الدقر والخطيب) فأثنى عليهما، واجتمع معهما وبدؤوا رحلة في أرجاء سورية، حيث كان الثلاثة يزورون مدن وقرى سورية يلتقون بالناس ويعلمونهم أمور دينهم.

ولم يكن الهدف فقط تعليم الناس أمور الدين، بل كان الهدف الأكبر هو حض الناس على الجهاد ضد الفرنسيين، حيث كان الشيوخ الثلاثة يبينون للناس وجوب العمل على قتال الفرنسيين لإخراجهم من بلادنا. وقد أفتى الشيخ بدر الدين بمنع النّاس من دفع الضّرائب للفرنسيين أو التّعامل معهم، وأعلن أن الجهاد فرض، وكان لجولته في المدن السّورية أثرها الكبير في إشعال فتيل الثّورة ضد الفرنسيين، حيث "كانت هذه الجولة هي الشّرارة التي أشعلت الثّورة"([viii]) ضد احتلال الفرنسيين لسورية.

ويذكر الأديب الشيخ علي الطّنطاوي في مذكراته أن تقريراً لمندوب المفوض السّامي الفرنسي، نشرته جريدة الأحرار في بيروت العدد 678، الصّادر في الثّاني من شعبان 1354هـ، قد ذكر أن جولة هؤلاء العلماء كانت هي الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين عام 1925م، والتي امتدت إلى كل أرجاء سورية، وكبدت الفرنسيين خسائر كبيرة([ix]).

ويصف علي الطنطاوي حال دمشق عند عودة المشايخ (بدر الدين والدقر والخطيب) من جولتهم في أرجاء سورية عام انطلاق الثورة، أن الأهالي كانوا يستعدون للاحتفال بالمولد النبوي، وقد تحول الاحتفال من قراءة قصة المولد النبوي، والأناشيد، وتوزيع السكاكر، إلى مهرجان وطني شعبي، ومباراة بين الأحياء الدمشقية في رفع أقواس النصر وتزيينها بأغصان الأشجار، مع رفع لصور أبطال الملاحم الشعبية كعنترة وأبو زيد الهلالي، وكان يرفعون "اللوحات الداعية إلى النضال، التي تمجد الاستقلال، وتنكر الاحتلال، وما كانوا يرفعون العلم الرسمي، بل العلم العربي المربع الألوان"([x]). وبعد ذلك تشتعل الساحات والأحياء بالخطب الرنانة، الداعية إلى النضال والاستقلال ومحاربة الاحتلال، يتبعها مظاهرات وصدامات مع الفرنسيين، يسقط فيها جرحى وربما شهداء([xi]).

وما لبثت أن اندلعت الثورة السورية الكبرى عام 1925م، وخرج المجاهدون من كل الأرجاء والمدن السورية، حاملين سلاحهم، مطالبين بالاستقلال، وإنهاء الاحتلال.

____________________________________________________________________________________________________________

[i]  ـ انظر: أمين سعيد، الثّورة العربية الكبرى، ج2، ص 209. وانظر: مذكرات محمد عزة دروزة، ج1، ص 484.

[ii]  ـ مكسيم ويغاند: ثاني مفوض سامي عسكري انتدبته فرنسا لحكم سورية ولبنان، وقد حكم من إبريل/ نيسان 1923م، إلى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1924م. وهو من مواليد 1867، وتوفي عام 1965م.

[iii]  ـ محمد كرد علي، خطط الشام، ج3، ص 187.

[iv]  ـ ينقل إيهاب شوقي، في حديثه عن الثورة السورية، عن المؤلف الأمريكي البروفسور مايكل بروفنس، قوله إن الثورة، وعلى الرغم من أنها انطلقت محلياً وكانت ذات أهداف مطلبية محضة، تحولت بعد فترة قصيرة من انطلاقتها، إلى ثورة ذات طابع وطني مطلبها تحرير بلاد الشام، الممتدة، من منظور قادتها وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش، من جبال طوروس شمالاً إلى البحر الأحمر جنوباً، أي كل الأراضي التي تضم أراضي سورية ولبنان والأردن وفلسطين.‏

[v]  ـ محمد علي الدّقر، ولد في دمشق عام 1294 / 1877, نشأ في أسرة صالحة وحصل على ثراء عريض، لازم الشّيخ بدر الدّين الحسني، والشّيخ محمد القاسمي. علّم النّاس في جامع سنان باشا في باب الجابية. أنشأ جمعية الغرّاء التي كان لها نشاط كبير في مجال التّربية والتّعليم، توفي رحمه الله عام 1362 هـ؛ انظر، محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، تاريخ علماء دمشق في القرن الرّابع عشر، ج2، ص 586 ـ 594.

[vi]  ـ هاشم الخطيب, ولد في دمشق سنة 1304 / 1890، تعلم وتفقه، وخطب في جامع سنان آغا، وعين أستاذاً للمنطق والعربية في القسم العالي من المدرسة العلمية التّجارية، شارك في تأسيس عدد من الجمعيات الإسلامية كالجمعية الغراء، وجمعية العلماء، ورابطة العلماء. وترك مؤلفات منها مفتاح السّعادة، وصوت الأنين، ودليل الحيران، وغيرها، توفي عام 1378/ 1954م؛ انظر، المصدر نفسه، ج2، ص 710 ـ 714 .

[vii]  ـ محمد بدر الدّين الحسني، محدث الشّام الأكبر، ولد في دمشق سنة 1267 هـ، كان أبوه عالماً شاعراً ، أصله من المغرب، ورحل في طلب العلم حتى قدم الشّام فأقام فيها. انقطع الشّيخ بدر الدّين لطلب العلم حتى تبحر فيه، ومما يُذكر عن الشّيخ بدر الدّين الحسني أنه كان صاحب طريقة مميزة أثناء تدريسه لطلابه، فقد يتظاهر بأنه لا يعرف المسألة التي يريد عرضها على طلابه، فيقول: "يا با ما ظهر لي"، ثم يطلب كتاباً يشرحها ويقرأ ما يتعلق بالبحث. له مؤلفات كثيرة وشروح كثيرة، توفي رحمه الله في عام 1354 هـ؛ انظر، المصدر نفسه، ج1، ص 473 ـ 494.

[viii]  ـ علي الطّنطاوي، ذكريات علي الطّنطاوي، ج1، ص 219.

[ix]  ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

وقد ذكر لي رجل كبير في السن من بلدتي (الرحيبة) وهي إحدى بلدات ريف دمشق، وتبعد عن دمشق 50 كم، شمال شرق، أنه يتذكر زيارة العلماء الثلاثة لبلدتنا، وهو طفل صغير. وقال إن أهل البلد اجتمعوا مرحبين بالعلماء، ويذكر أن شيخاً وقوراً منهم (يبدو لي أنه الشيخ بدر الدين) خطب في الناس وصلى بهم، ثم حضهم على الجهاد ضد الفرنسيين. 

[x]  ـ المصدر نفسه، ج1، ص 222.

[xi]  ـ كان تاريخ المولد النبوي في ذلك العام 1343هـ موافقاً لأكتوبر/ تشرين أول 1924م. وكان اندلاع الثورة السورية الكبرى في ذي الحجة 1343هـ الموافق يوليو/ تموز 1925م.

تعليقات