من وجوه حزب الله

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/9/2017
العربي الجديد

لم يكن اتفاق جرود عرسال بين زعيم المقاومة وسيدها حسن نصر الله ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بزعامة خليفة المسلمين أبو بكر البغدادي، خارجا عن المألوف كما قد يعتقد بعضهم، إنه أمر طبيعي أن يتفاوض نصر الله مع أمير المؤمنين، أو من ينوبه، لتجنيب المدنيين الموت وسفك الأرواح بلا مبرر، وتهديم مدن كاملة على ساكنيها، إنه أمر طبيعي. 

ليس ذلك سوى جزءٍ من ملهاة مبكية، كوميديا سوداء إن شئت الدقة، نعيشها اليوم، فالمختلفان أيدلوجيا وعقائديا، ممن يرى في قتل عدوه فرصةً لدخول الجنة، يتفاوضون، ويتفقون، ويتم نقل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، الذين شكلت الولايات المتحدة حلفا من ستين دولة لقتالهم، وأنفقت بلايين الدولارات لقتلهم وطردهم، بواسطة باصات تابعة لنظام بشار الأسد، بعد اتفاق بين حزب الله، المقاول الأوحد المتكفل بمشاريع المقاومة، وهؤلاء المقاتلين.

لست هنا ضد الاتفاق ما دام يحقن دماء الأبرياء، ولست ضد أن يتم إجلاء عوائل مقاتلي التنظيم، ونقلهم إلى أماكن أخرى، فذلك، من وجهة نظر عقلانية، أفضل بكثير من أن يتم قتل عشرات الآلاف من المدنيين وسحقهم بجريرة 300 مقاتل، وتدمير مدن وحواضر كاملة، ولكني ضد أن يكون هذا الأمر مقبولا لا لشيء سوى لأن بطله نصر الله، بينما لا يمكن أن يقبل في العراق مثلا، وينقذ من خلاله نحو مليوني نفس بشرية كانت محصورة في الموصل، عقب استيلاء التنظيم عليها، وتدمير مدينة تاريخية وحاضرة مثل الموصل لن يجود الزمان بمثلها. 
الجيد أن هذه الصفقة كشفت وجها قبيحا من وجوه حزب الله وإيران، وجوه ظلت تتاجر بالطائفية وفلسطين والإسلام، وجه قبيح جعل من المقاومة مقاولة محصورة على موظفي حسن نصرالله، صفقة جعلت عراقيين كثيرين يفيقون من سباتهم الطويل، وهم يشاهدون كيف أن زعيم المقاومة، ومعه راعيته إيران، ينقلون مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، بباصات مكيفة، إلى مناطق قرب حدود العراق، حفاظا على منطقة حدودية مع لبنان كانوا فيها، وأيضا خشية من قتال "داعش" وما قد يجرّه عليهم ذلك من تهديداتٍ لمدنهم الداخلية. 
إنهم لا يستحون من فعل ذلك، لا يستحون من حماية أنفسهم ومدنهم، حتى لو كانت صفقتهم مع الشيطان نفسه، إنها البراغماتية الإيرانية التي لا تعرف للمبدأ طريقا وللدين سبيلا، إلا بقدر ما يحققانه لها من مصلحةٍ تصب في خدمة مشروعها التوسعي. 
في المقابل، السؤال الذي شغل العراقيين طوال الأيام الماضية: لماذا إذن لم تتفاوضوا مع "داعش" للخروج من الموصل؟ لماذا لم تسمحوا لهم بالهروب من المدينة، عندما بدأ القتال؟ لماذا هذا الإصرار على قتل مدينة يتجاوز عمرها سبعة آلاف عام، وشعب يزيد عن مليوني نسمة؟ لماذا أحرقت المدينة على من فيها، ناسها وتاريخها من أجل قتل بضع مئات منهم؟ لماذا حلال على حزب الله وإيران وحرام علينا؟ 

فقد العراقيون في الموصل وحدها قرابة المائة ألف ضحية، ناهيك عن عشرات آلاف من المصابين، وتشريد أكثر من مليون شخص، ودمرت المدينة عن بكرة أبيها بما لم يسبق أن شهد له التاريخ مثيلا، وقتها لم يسمح لهروب عناصر "داعش"، ولم يفتح حتى طريق لهروب المدنيين وخروجهم من الموصل، لماذا؟ 

لماذا قال نائب الرئيس العراقي، نوري المالكي، إن تلعفر مثلا سلمها عناصر التنظيم تسليما، وتم السماح لهم بالانسحاب من المدينة، الأمر الذي حسم المعركة في عشرة أيام؟ 
إنها الطائفية، يريدون تلعفر سالمة، لأنهم يخططون لتكون محافظة مستقلة عن الموصل، تسهل سيطرة إيران عليها التي تريد أن تمد خطها البري من طهران إلى سواحل البحر المتوسط عبر العراق، لهذا حافظوا عليها، خصوصا وأن المدينة مطروحة لتكون محافظةً، حتى قبل أن يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014. 
لا يريد نصر الله أن يخوض حربا مع عناصر "داعش"، خشية من سقوط مزيد من القتلى في صفوف مقاتلي حزبه، وخشية من أن ترتد هذه الحرب على مدنه في داخل لبنان، بينما يدفع مقاتليه إلى الداخل السوري لإسناد بشار ودعمه ومنعه من السقوط. 

اليوم، على كل المخدوعين بحزب الله وإيران أن يعيدوا حساباتهم. على كل المخدوعين بالحشد الشعبي، وأنه يمثل لونا عسكريا عراقيا، أن يعيدوا النظر بحساباتهم، فكل هؤلاء لا يهمهم كم يسقط من قتلى أو كم مدينة يمكن أن تدمرها التهم الحربية، المهم أن ينفذوا ما تمليه عليهم إرادة الولي الفقيه، وما تطلبه منهم. 
الاستنكار الكبير لهذا الاتفاق على مواقع التواصل الاجتماعي محمود، يفيد بأن الوعي الشعبي في العراق بات على درجةٍ مقبولة، غير أن ذلك لا يكفي، ولن يكون مقبولا ما لم يعاقب الشعب كل من تاجر بدمه خدمة لأهداف خارجية، لا علاقة لها بالعراق ومصالح شعبه.

تعليقات