من يخاف حرية السوريين؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

07 /05/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

لن يكون هناك رد على التحدّي الذي يواجهه الوضع السوري المأسوي للضمير الإنساني، ولمنظومة الأمم وللسلام والأمن الإقليميين والدوليين، ما لم يجد المجتمع الدولي، أو يساعد السوريين، على إيجاد حل لجوهر القضية التي زعزعت استقرار الشرق الأوسط، وتهدد بانزلاقه إلى حرب استنزاف طويلة ومخيفة. 
وجوهر القضية هو، بما لا يحتمل أي تشكيك أو نقاش، بروز إرادة شعبية قوية وواسعة، لتغيير النظام السياسي القائم الذي لا يزال مستمراً منذ نصف قرن، والذي قام على أسس لم يعد ممكناً الدفاع عنها، كما لم تعد أغلبية الشعب قادرة على احتمالها. 
كل ما عدا ذلك من نزاعات، وانقسامات بين سنة وشيعة وعلويين، ومسيحيين ومسلمين، وعرب وقوميات، وأقليات وأغلبيات، وكذلك مسائل الصراع ضد الإرهاب الدولي، والصراع بين إيرانيين وسعوديين وروس وغربيين، ونزاعات وأجندات أخرى، مواضيع أضيفت إلى القضية الرئيسية في ما بعد، ودخلت على الخط، بهدف التشويش على الهدف الأول، أو لخلط الأوراق، أو للتغطية على جوهر القضية، أو بدافع سعي أطراف داخلية، وفي مقدمها النظام وقاعدته الاجتماعية، إلى استدراج الدعم الخارجي، أو بسبب استغلال أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ الأزمة، من أجل التدخل لتحسين مواقعها الإقليمية، أو دفع مخاطر محتملة عنها.
وشيئاً فشيئاً، غطت المنتجات الفرعية للأزمة السياسية الرئيسية، واستراتيجيات خلط الأوراق،  والصراعات الإقليمية التي رافقتها، والتدخلات الخارجية التي استدرجتها، على الموضوع الأصلي.
وحلّ الحديث عن مشكلات الأقليات والمذاهب والأديان والطوائف والقوميات، والنزاعات المتداخلة، محلّ الحديث عن الكرامة والحرية، وحق السوريين في تقرير مصيرهم، واحترام مطامحهم وآمالهم وتطلعاتهم، حتى صارت الموضوعات والنزاعات الجانبية التي دخلت على هامش الصراع السياسي المسائل الأساسية، وخرج مشروع السوريين لتغيير قواعد ممارسة السلطة العمومية من الصورة كلياً، أو كاد.

ثم لم يلبث الحديث عن تنامي المنظمات الإرهابية، وعن الحرب الأهلية وتفاقم النزاعات الطائفية الاقليمية، وعن الصراعات والمواجهات الدولية، في ما يشبه تجدد الحرب الباردة الدولية، حتى طغى على أي حديث آخر يهم السوريين، أو يتحدث عن مصيرهم، أو يرصد تطور قضيتهم التي قاموا من أجلها. لم يعد للسوريين في هذه الخريطة المستجدة للصراع سوى دور الضحايا والشهداء والنازحين واللاجئين والمشردين، وأصبحت حربهم المقدسة من أجل الحرية حروباً بالوكالة للآخرين، وامتداداً للصراعات الدولية.

ومع مرور الوقت، أصبحت القضية إضعاف النظام السوري، وتخليصه من أسلحته الكيماوية والبيولوجية، وتخفيض موقعه في الصراعات الإقليمية والمنافسات الدولية، وصار الحديث عن حقوق السوريين وطموحاتهم وآمالهم قضية ثانويةً، يشوش ذكرها على المشهد، ويزيده غموضاً والتباساً، من الأفضل للمحللين السياسيين استبعادها كلياً من الصورة.

باختصار، بدل مساعدة السوريين على تحقيق تطلعاتهم السياسية، الأكثر طبيعية وتوافقاً، مع منطق التاريخ والأخلاق والعصر، صار تعمد تجاهلها والتضحية بها والمطالبة بالتخلي عنها، أو منعهم منها، هو الوصفة الأكثر ترددا عند دبلوماسيي الواقعية،  للخروج من الحرب،  ولتحقيق تطلعات الطوائف والقوميات والأطراف الإقليمية والدولية، وصون مصالحها جميعاً، أو ما تعتقد بأنه مصالحها الخاصة، أو القومية. 
وهكذا صار حرمان السوريين من مستقبلهم شرطاً لضمان مستقبل الآخرين، الأقليات وإيران وروسيا، وبقية الدول الإقليمية والتكتلات الدولية. 
في طريقة تناول القضية السورية، كقضية أقليات، اثنية ودينية، تبحث عن حقوقها، وصراعات إقليمية ودولية تتنازع على الهيمنة، ومنظمات إرهابية أجمع العالم على نبذها، وفي التخلي عن مشروع التحول المدني الديمقراطي الذي حمله السوريون على أرواحهم المدماة، وفقدوا كل شيء من أجله، ترتسم خرائط التقسيم الذي يحلم به كثيرون، لسورية الوطن والشعب.
وفي هذه الطريقة في الطرح، أيضاً، يصبح تقاسم سورية، وتوزع أشلائها بين القوى المفترسة، أمراً وارداً، ويتحول الجهد والهدف، من دعم السوريين، لضمان حقهم في تقرير مصيرهم بحرية، كباقي الشعوب المتمدنة، إلى تشويه صورة الثورة من أجل تبرير اختطافها، أو تقزيمها، أو هزيمتها. 
ما من شك في أنه ينبغي أن تؤخذ جميع هذه المصالح بالحسبان، الأقليات والأطراف الإقليمية والتكتلات الدولية، وأن يعمل على طمأنة الجميع على مكانتهم وموقعهم ودورهم في التحول المقبل، وعدم السماح بأن يصُب التغيير لصالح طرف ضد آخر، أو يقلب موازين القوى الإقليمية والدولية، رأسا على عقب.

لكن هذا لا يحل المشكلة، ولا يمكن أن يكون الغاية الأخيرة، ولن يمكن الوصول إليه، ولن يكون للوصول إليه قيمة، ما لم نجد جواباً على جوهر القضية، أي تمكين السوريين، كسوريين، من حقوقهم وحرياتهم، حقوقهم كشعب، وتمكينهم من تحقيق الانتقال السياسي، وتفكيك نظام الأسد الذي بني على الإقصاء والتهميش والتمييز الطائفي والقومي والتدخل  الأجنبي، بهدف التجريد الكامل للسوريين من حقوقهم الأساسية، وتحويلهم إلى أقنان ومسخرين في مزرعة عبودية، بالمعنى الحرفي للكلمة، تسيرهم سياط أجهزة الأمن وسجونه ومعتقلاته ورصاصه.

كل ما لا يجيب عن سؤال الانتقال السياسي لا يعمل إلا على تعقيد المسألة، والدفع إلى سفك المزيد من الدماء من كل الأطراف، من دون نتيجة، وتدمير ما تبقى من حضارة وبناء وعمران، في بلد الحضارة والحرف واللغة والمدنية والأخلاق، من دون أن يأتي بأي حل لمشكلات التطرف والإرهاب والتناحر الإقليمي والأقليات، بل العكس هو الصحيح.

من هنا، يبرز السؤال الذي يجدر بجميع السوريين أن يطرحوه على أنفسهم،: ما الذي يمنع سورية من هذا الانتقال السياسي، ويخاف من تحرر السوريين واستقلالهم؟