من يقاتل تنظيم «الدولة الإسلامية» اليوم؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/3/2015
القدس العربي
المؤلف: 

إنها الميليشيات الشيعية والكردية وإيران وامريكا والنظام السوري.. هذه الأطراف نفسها تماما هي التي دخلت في صراع دموي مع نظام صدام حسين القومي العلماني. تبدو «القبيلة السنية» بوجهها العلماني القومي كصدام حسين، أو وجهها الإسلامي الجهادي كالبغدادي، تعيش صراعا مزمنا مع محيطها الشيعي الإيراني ومع الغرب.. 
وتبدو أحزاب القومية العربية، أو الاسلام السياسي، وكأنها تمظهر سياسي بنمط حداثي لمشروع القبيلة وشيخها، وإضافة الى الحاضر، فإن الاختلاف بين هوية ابناء «القبيلة السنية» عن محيطهم المتصارع معهم يظهر جليا في نظرتهم للتاريخ، فبينما ينظرون لتاريخ الخلافات الراشدة والاموية والعباسية والعثمانية على انها مصدر إلهام وفخر، تنظر الشيعية السياسية وبعض الأقليات والعرقيات، ويشترك معهم الغرب، الى تاريخ الخلافات الاسلامية نظرة تتراوح بين العدائية والقطيعة، أو قبوله على مضض، بعد النظر اليه على انه تاريخ «امة عربية» مجردة من عنصرها الاسلامي، لدرجة ان يعتبر قومي عربي علوي كزكي الارسوزي، ان اعظم عصور العرب هو العصر الجاهلي قبل الاسلام، ويعتبر الاكراد القوميون ان صلاح الدين الايوبي مسلم وليس كرديا. اما الشيعية السياسية فانها تعتبر صلاح الدين الايوبي وهارون الرشيد ومعاوية وابو جعفر المنصور رموزا «للطغاة» بنت عليهم مظلوميتها. انه اختلاف على نموذج الدولة والحكم ممتد من الماضي الى الحاضر.. فكيف سيكون المستقبل؟ 

عام 2003 وبعد سقوط بغداد بأيام زرت تكريت، خلال عيد ميلاد صدام حسين، نهاية أبريل، كانت مجموعة من الاطفال وبعض العائلات قد تجمعوا أمام همرات القوات الامريكية واخذوا يهتفون لصدام حسين، الشيء نفسه شاهدته بالموصل، وثقت ذلك بالفيديو، اليوم وبعد 12 عاما أتلقى رسالة من أحد الشباب يقول «أنت لا تتذكرني، كنت في العاشرة من عمري عندما جئتنا عام 2003». ابتهجت بهذه الرسالة ، فما أجمل شهود الذاكرة، اسأله وما حالكم اليوم، يجيب: «كثيرا ما عرف عن اهل تكريت المنافسة مع سامراء، والبغدادي من سامراء، وكما كتبت احزاب الشيعة على جدران بغداد يوم دخول القوات الامريكية «ألف امريكي ولا تكريتي» اصبحنا نقول اليوم «ألف دولاوي داعشي ولا ميليشياوي شيعي». ان تكريت تمثل احد أوجه رمزية «القبيلة السنية» في صراعها مع القوى الشيعية وايران والغرب، فهي معقل للبغدادي زعيم تنظيم «الدولة الاسلامية»، ومدينة صدام البعثي العلماني، ومسقط رأس الناصر صلاح الدين الايوبي، كلهم زعماء من «القبيلة السنية»، وكلهم خاضوا صراعا دمويا مع القوى الشيعية وإيران، وكلهم ايضا خاضوا حروبا مع الغرب بوجهه العلماني الامريكي اليوم، أو المسيحي ايام الحملات الصليبية.
في العراق يبدو الحاضر وكأنه لا يختلف عن الماضي.. يذهب صدام ويأتي البغداي وسيذهب البغدادي يوما ويظل النزاع نفسه، هو ممتد من مقتلة كربلاء حتى العباسيين وصولا ليومنا هذا.. ولهذا ربما نجد أن اكثر الكلمات شيوعا في قاموس الاحزاب الشيعية وايران هي «الصداميون والتكفيريون» فهم ينعتون كل حالة سنية قوية تحاول التصدي لهم بأنهم صداميون بعثيون او تكفيريون. والمفارقة أن ايران والميليشيات الشيعية قاتلت لسنوات نظام صدام البعثي بنخبته السنية، وهي الان تقاتل دفاعا عن نظام الاسد البعثي بنخبته العلوية، حتى معظم قيادات الميليشيات الشيعية والجيش الحكومي كانوا من البعثيين والضباط في الجيش العراقي السابق، ولكنهم شيعة ، تماما كالضباط السنة البعثيين الذين انتمى كثير منهم للجماعات المسلحة الاسلامية و»القاعدة»، لقد انهار حكم البعث فعاد كل لقبيلته.

وقد أمكن لي ملاحظة احتفاظ حتى البعثيين بتأثير هوياتهم الفرعية من الاسبوع الاول لسقوط بغداد، عندما بحثت عن الدكتور المرحوم المفكر الياس فرح عضو القيادة القومية فوجدته مختبئا في كنيسة خوفا من الميليشيات الشيعية، التي اخذت تبحث عن البعثيين لقتلهم، ولم يحظ بحماية اي مقر او فرقة حزبية بعثية، بينما لم يستطع عزت ابراهيم رفيقه في الحزب الحفاظ على نفسه الا بالاختباء في تكية نقشبندية بحماية انصاره الصوفية. ان الانتماءات الكامنة والهوية العميقة، البدائية من روابط قبلية او عقائدية دينية، هي التي ما زالت تؤثر في توجيه الناس والجماعات بعد الف عام، وما زالت تشكل دافعا اساسيا للصراع، مهما اختلفت الواجهات الحداثية والاقنعة التي تسقط في اول اختبار. واجهات كالتيار القومي واليساري مثلت محاولات عظيمة للتوفيق والتعايش في المشرق العربي بين السنة والاقليات، لكنها فشلت لانها حاولت اخفاء وانكار اختلافات كان من الأجدر التوقف عندها ومواجهتها وحلها بدلا من الهروب منها بمحاولات توفيق تنهار في أول اختبار، لترجع مجتمعاتنا لعقلية الغاب، بعد ان تمظهرت بالحداثة..
فاليوم بدا واضحا ان السنة ومعظم الشيعة وابناء الاقليات الذين انتموا للاحزاب القومية واليسارية جميعهم ارتدوا الى هوياتهم الاصيلة العميقة، فالقومي العلماني السني عاد ليتماهى مع مظلومية قبيلته بشيخها الجديد، واليساري الشيعي والمسيحي العربي بات حليفا للخميني والاسلام الفارسي، وحتى ان لم يحالفه فهو يشترك معه وجدانيا بحساسية مفرطة وعداء جامح للاسلاميين السنة، تجمعهم ذاكرة نزاع ازلي لاكثر من الف عام مع السلطة الاسلامية السنية.

ان اكبر صراعات العالم القديم، ما زالت تحركها نزعات بدائية دينية، وهويات كامنة، من اسرائيل التي يدعمها الغرب، وهي مثال واضح على شعب تجمعه روابط الانتماءات الدينية الكامنة التي حافظ عليها ليشكل بعد مئات السنين دولته المعتمدة على اساطير اليهودية.. اما باكستان والهند فقد باتت الهندوســية والاسلام يمثلان لهما عقائد مرتبطة بنشوئهم وكيانهم القومي اكثر منها اديانا. 
في مناطق الصراعات تنطبق تلك المقاربة غالبا، العرب السنة في فلسطين، وعلى مدى نزاعهم مع اسرائيل، ظلوا يوصفون بالارهابيين العرب، سواء كان وجه الفلسطينيين العرب السياسي علمانيا أم يساريا كياسر عرفات وجورج حبش، او كان وجها اسلاميا كحماس، فالصراع مع اسرائيل يجعلهم بنظر الاسرائيليين اليهود شيئا واحدا:عربا مسلمين ارهابيين. والصومال المسلمة تعيش صراعا مزمنا مع اثيوبيا بسلطتها المسيحية، سواء كان وجه الصومالي السياسي يساريا ملحدا كسياد بري او اسلاميا من المحاكم الاسلامية.. وهو التفسير الذي توصلت اليه بعد ثلاث زيارات للصومال في ثلاثة عهود، فكنت ألحظ تمسك السكان بالاسلام، في المدارس الصوفية وجدت الاطفال يحفظون القرآن حتى من غير ان يفهموا العربية.. الاسلام بالنسبة للصوماليين مقترن بهويتهم القومية التي تميزهم عن محيطهم الاثيوبي المسيحي النزعة. 

والامر ينطبق داخل العرب السنة احيانا، ففي ليبيا، هناك صراع بين قبائل على السلطة والنفوذ، مثلا الصراع بين مصراته وبني وليد يتمظهر كل فترة بشكل سياسي معين، مرة قبليا ايام الاستعمار الايطالي، ومرة بالثورة الليبية التي كانت فيها مصراته الى جانب الثورة وبني وليد ضدها، ويذهب القذافي ويعود الصراع نفسه برايات مختلفة، ولم استغرب ان أرى بعض قبائل بني وليد وحلفائهم في سرت ينضمون لتنظيم الدولة الاسلامية تمايزا ربما عن مصراته ذات التوجه الاخواني. 

إن تجاوز تأثير الانتماءات الفرعية والاتفاق على هوية جامعة، تؤمن بالتعايش على قواسم انسانية مشتركة هو تحد فشلنا به للآن، خصوصا بالمشرق العربي، بلا شك انها مسالة مهمة لانهاء النزاعات، وارساء السلم، ولكن أيضا التخلي عن هذه الروابط والعصب زمن الصراعات في عالم قديم قائم على روابط العصب يعني امرين لا ثالث لهما.. إما الفناء والابادة، واما البقاء ضعيفا تابعا لمشروع خصمك ممن حافظ على العصبة والرابطة في وقت تخليت انت عنها.

ان «القبيلة السنية» وإن أحبت الظهور دائما بانها «الأمة» تعيش تحديا داهما، فهي فقدت قيادة الامة وفي طريقها للتلاشي اذا فقدت العصبة الرابطة بين ابنائها من اجل التماهي مع الحداثة، وفي سبيل التمظهر بالتعايش والتوافق مع مكونات محيطها التي احتفظت بروابطها وعصبياتها العتيقة التي تمنحها القوة والحماية، سواء كانت مذهبية كالشيعة وطوائف الاقليات اوعرقية كالاكراد.
الاسلام كان عاملا وحيدا في تحقيق النهضة القومية والوحدة للقبائل العربية لاكثر من اربعة عشر قرنا، وتحقيق أول كيان سياسي جامع لهم، وهو يعود اليوم ليشكل بتياره المعتدل الاخواني وتياره المقاتل الجهادي معبرا وحيدا عنهم في السلم والحرب.