مواجهة النفوذ الإيراني عربياً

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/9/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

تمور الأوضاع في الوطن العربي بلا توقف، وبلا أفق. ولا شك أن الصراع في المنطقة لا يزال في منتصف الطريق، فلا منتصر في الصراع الحالي بين القوى العربية المناوئة للنفوذ الإيراني والقوى المقابلة لها، والتي تحتوي جزءاً مهماً من العرب. 
كثيرة الشكاوى التي نسمعها ونقرأها، هذه الأيام، من الدور الإيراني السلبي في الوطن العربي، فثمة فراغٌ سياسي كبير خلّفه زوال بعض الأنظمة، وتراجع دور بعضها الآخر. دولة مؤثرة كالعراق، قوية بإمكاناتها البشرية، و بجيشها النظامي، وقدراتها الصناعية، وبنيتها العلمية، طالما شكلت تحدياً أمام طموحات طهران، تحولت دولة طائفية فاشلة، عاجزة عن توفير الكهرباء والأمن للمواطن، بعد أن حاصرتها عقداً الولايات المتحدة الأميركية، وبمساعدة من دول الخليج، قبل أن تقرر واشنطن افتراس ما تبقى من مؤسسات الدولة وتدمّره. 
ليست سورية ومصر في أفضل حالٍ، وإن كانت مصر أكثر استقراراً، إلا أن دورها السياسي الإقليمي لم يعد يُعين دول الخليج، بل هي التي تحتاج إعانة، حيث أضحت تشكل عبئاً حقيقياً على ميزانية دول الخليج. قد يكون تراجع هذه الدول العامل الأكثر تأثيراً في تحصيل إيران مزيداً من النفوذ، وليس تنامي قوتها وإمكاناتها الذاتية. هذا الفراغ الكبير الذي نتج نتيجة حتمية لغياب هذه الدول المهمة والمؤثرة عن المشهد السياسي، أخلّ بميزان القوى لصالح طهران، المنتشية بعد توقيع الاتفاق النووي مع الغرب، والراغبة في استثماره، وتحويله إلى قوة ناعمة تمكنها من لعب دور مركزي في ملفات الشرق الأوسط، خصوصاً، مع وجود إدارة باراك أوباما اللاهثة وراء إنجاز الاتفاق. 

النتيجة التي أوصلتنا إليها هذه المحصلة أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني، وتحت هذا العنوان بادرت الرياض إلى إرسال قوات عسكرية إلى مملكة البحرين، ولدخول حرب اليمن. على الأرض، تبدو السعودية قد حسمت خيارها في ما يتعلق بمنع إيران من الوصول إلى حدودها، ولو بالقوة، وإن كلفها ذلك خوض حرب كاملة، فالمملكة الغنية صرفت عشرات المليارات لتعزيز قدراتها العسكرية في العقد الأخير، وتضاعف الصرف بعد الربيع العربي، لكن هذه القدرة العسكرية لا يبدو أنها كافية لتعويض غياب المشروع السياسي العربي، أي أن أزمة الفراغ ما زالت قائمة، ولا يبدو أنها في طور الحل، ولا أدل على ذلك من تضارب المواقف السياسية العربية، بل حتى الخليجية منها، حيث لم يصدر عن المجلس موقفٌ موحد بخصوص الاتفاق النووي الإيراني، وأن هناك دولا من داخل المنظومة نفسها، تربطها علاقة صداقة قوية بالنظام الإيراني، ما يُصعّب مهمّة الحد من نفوذها. 

الآن، على الجانب السياسي والإعلامي، لو سلمنا جدلاً بأن إيران تعتمد، في سياستها الخارجية، على إيديولوجية ثورية ذات طابع ديني طائفي، وبشعارات من قبيل "نصرة المستضعفين"، فإن هذه الدعاية السياسية ما زالت قادرة على جذب كثيرين، ممن يروْن أن الدول العربية المقابلة لإيران لا تقوم بالدور المطلوب منها عربياً، سواء في نصرة القضية الفلسطينية ودعم المقاومة، أو في أزمة اللاجئين السوريين الذين فتحت لهم أوروبا أبوابها، ومُنعت عنهم أبواب الخليج، وكذلك في موضوعات المواطنة والعدالة الاجتماعية. 

هناك مناطق حيوية بالنسبة لإيران أكثر من غيرها، كما الآخرين. سورية في العقل الإيراني استثمار طويل، لا ينبغي السماح بخسارته تحت أي ظرف. ولهذا، زجت إيران بكل ثقلها، خلف نظام بشار الأسد، لكن سورية التي تحولت أرض صراع لا تمثل الأهمية الجيوسياسية نفسها بالنسبة للسعودية، على غير اليمن الذي تنظر له جزءاً من مجالها الحيوي. كلف هذا الصراع السياسي المجتمعات العربية الكثير، لأنه تحول من تدافع سلمي على النفوذ إلى تناحر دموي على السلطة، من الجماعات المدعومة من كلا القوتين، كما كلّف هاتين القوتين التنازل عن سياسة إدارة المعارك عن بُعد، إلى المشاركة المباشرة في القتال، حيث يبدو أن هذا الصراع لن ينتهي قريباً، فلا تسويات تلوح في الأفق، على الرغم من كل هذه الجولات المكوكية التي يقوم بها الطرفان في العواصم الكبرى. 

ما يهمنا التركيز عليه جوهر الصراع القائم، فهو صراع سياسي يرتدي عباءة دينية؛ لأن الخطاب الإيديولوجي يشتمل على رموز دينية كثيرة، يحمل أحدها راية الدفاع عن الشيعة، والآخر حماية وجود السنة، تساهم في تشويش طبيعة الصراع، من كونه صراعاً سياسياً لصراع طائفي، يصب، في النهاية، في مصلحة إيران أكثر من غيرها، خصوصاً أن الأقلية المعارضة داخل إيران عربية، وليست مذهبية، كما أن تسليم الدول العربية بأحقية إيران في تمثيل "الشيعة العرب"، الذين يقطن منهم 4 ملايين في الخليج العربي، رصيد مجاني لإيران. 

لغة مُخيفة أضيفت، في الآونة الأخيرة، إلى مصطلحات الصراع، أو لنقل أسلحة إيديولوجية أكثر فتكاً بالمجتمعات العربية، تتمثل في نظر كل طرف إلى خصومه "محتلين" أو "مستوطنين أجانب"، وغرض هذا الاتهام نزع شرعية وجود الآخر، تمهيداً لإلغائه نهائياً، ونفي حقه في الأرض. 
ليس من هذه القوى من يتصارع من أجل الله. لا تلعب الطوائف سوى دور الخزان البشري والذخيرة الإيديولوجية، والسلطة الدنيوية هدف المتصار

تعليقات