موسكو 1.. الخلفيات والاحتمالات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

لا يبدو أحد أكثر حماسة من الروس لإيجاد حل سياسي في سورية تحت رعايتهم، فبعد نحو أربع سنوات من القتل والتدمير والتهجير، لا أحد يجرؤ على مسك زمام المبادرة في سورية وتقديم رؤية واضحة لمسار سياسي ينهي الوضع الراهن ويخلص السوريين من عذاباتهم.

حِرصُ الروس على المبادرة لإيجاد هذا الحل ليس منزهاً عن الغايات والمصالح، وهو أقل تأثراً بطبيعة الحال من الدوافع الإيرانية التي ترى في نظام الأسد استنزافاً مستمراً لمواردها وطاقاتها المالية والعسكرية والبشرية وحتى الاستراتيجية، في ظل عجز النظام عن حسم الأمور كما درج على وعد إيران، وتداخل عوامل إقليمية ودولية في الملف السوري، فالروس بطبيعة الحال، لا يبيعون النظام الفيتو في مجلس الأمن ولا السلاح والعتاد إلا بتمويل إيراني أو مقابل صادرات زراعية سورية، أو حتى قروض وضمانات على عاتق الدولة السورية، لكن حماس الروس هذه الآونة تقف وراءه أسباب ودوافع تشي باحتمالات عدة، بحسب قدرة الروس أنفسهم وخصومهم الإقليميين والدوليين على إدارة الملف السوري.

تسارعت التحركات الروسية مؤخراً في اتجاه محاولة بلورة تسوية سياسية للصراع في سورية، تقوم على خلق توافق ما بين نظام الأسد الذي تدعمه موسكو، والمعارضة السورية التي بدأت في التواصل معها، على نحو قد يمهد الطريق لتحقيق "موسكو-1"، يضاف إلى نجاحها السابق في فصل قضية الأسلحة الكيماوية التي يمتلكها نظام الأسد عن قضية التغيير السياسي في البلاد.

يمكن الاستدلال على هذا التوجه الروسي من خلال تطورين رئيسيين: يتمثل الأول، في زيارة نائب وزير الخارجية الروسي "ميخائيل بوغدانوف" إلى سورية وإعلانه استعداد بلاده لاستضافة حوار أمريكي-سوري في حال تقدمت حكومة النظام بطلب من هذا النوع. ويمثل هذا الموقف الروسي محاولة للبناء على التقارب غير المباشر بين واشنطن ودمشق، والذي يشير إليه إعلان بشار الأسد استعداده لأن يكون "شريكاً" في الحرب ضد ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية".

التطور الثاني يتعلق باللقاءات المستمرة التي تجمع مسؤولين روس مع بعض ممثلي قوى المعارضة السورية، وكان آخرها خلال زيارة وفد من المعارضة السورية إلى روسيا، ثم لقاء "بوغدانوف" مع بعض مسؤولي المعارضة في اسطنبول. ويعبر هذا التطور عن حدوث تحول مهم في المواقف الروسية من الصراع في سورية منذ مارس/ آذار 2011، فرغم استمرارها فى تقديم الدعم العسكري واللوجيستي والسياسي لنظام الأسد، إلا أنها بدأت في تأسيس علاقات وشبكات مصالح مع المعارضة، ربما استعداداً لمرحلة ما بعد تسوية الأزمة في سورية.

توجه موسكو نحو تحريك الحل السياسي في الأزمة التي وصلت إلى طريق مسدود مع اقتراب عامها الرابع على الانتهاء، يمكن تفسيره بمحاولات روسيا الخروج من عزلتها الدولية التي فرضت عليها، بسبب تدخلها في أوكرانيا، حيث بدأت تتجه نحو توسيع شبكة تحالفاتها، وهو ما يبدو جلياً في سعيها لتنشيط العلاقات مع تركيا، فرغم التباين الواضح في سياسات موسكو وأنقرة تجاه سورية، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة حرصاً من جانب الطرفين على تقليص حدة التداعيات المحتملة التي يمكن أن يفرضها هذا التباين على مصالحهما الاقتصادية.

كما تسعى روسيا إلى إعادة تفعيل دورها في سورية، خاصة بعد قيام الولايات المتحدة بتشكيل التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة"، والذي لم تشارك فيه الأولى. فأكد "سيرغي لافروف" وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا تعمل في اتجاه عقد مؤتمر دولي في موسكو، وأشار في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى أن "روسيا تواصل اتصالاتها اليومية مع الحكومة السورية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقناع مجموعات المعارضة السورية بضرورة العمل المشترك لصالح بلادها وشعبها".

يتزامن التحرك الروسي مع طرح خطة المبعوث الأممي إلى سورية "ستيفان دي ميستورا"، والذي تم تعيينه في يوليو 2014، بعد فشل مؤتمر "جنيف 2" في طرح حل سياسي للصراع، وكان لتمدد "تنظيم الدولة" في الموصل منذ 10 يونيو/ حزيران 2014 ثم إعلانه تأسيس "الخلافة الإسلامية"، أثره في تراجع الاهتمام بالحل السياسي في سورية والتركيز على مواجهته. ويمكن القول إن خطة دي ميستورا لم تهدف إلى تسوية الصراع بل إلى تجميده في مناطق محددة، مع احتفاظ كل طرف بإمكانياته العسكرية.

تكمن مشكلة روسيا في عدم اعترافها بمجمل بنود "جنيف 1" خاصة فيما يتعلق بمستقبل الأسد، لا سيما بعد حديث نائب وزير الخارجية الروسي "بوغدانوف"، في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، عن أن "بلاده تعتبر أن مطالبة واشنطن بتنحي الرئيس بشار الأسد غير شرعية ومضرة"، وهو ما يعزز من احتمالات رفضها خطة دي ميستورا، حتى لا تتم مناقشتها في مجلس الأمن.

بالإضافة إلى أن روسيا تواجه عقبتين: تتمثل الأولى، في مشكلة التمثيل السياسي للمعارضة، حيث تتباين مواقف الأطراف المعنية حول توصيف قوى المعارضة السورية التي تنتمي لتيارات مختلفة. وتتعلق الثانية، باستمرار سيطرة النظام على مساحات واسعة من الأراضي السورية، ما يعني أنه لن يقبل بأية تسوية سياسية لا تجعله المستفيد الأكبر منها، خاصة أن قوى المعارضة التي توصف بـ"المعتدلة" لم تعد _طبقاً لاتجاهات عدة_ الرقم الأهم في الصراع مع النظام، بعد أن أصبح "تنظيم الدولة" وفصائل مثل "جبهة النصرة" الأكثر تأثيراً في المعادلة العسكرية. إلى جانب أن قوى المعارضة تبدو منقسمة حول أي تحرك روسي. 

تشير التحركات الروسية الجديدة إلى إدراك موسكو أن هناك قواعد لعبة جديدة تتشكل، خاصة بتحول التنظيمات المسلحة في سورية إلى طرف أساسي في أية تسوية محتملة. ومن هنا ترتبط فرص نجاح تلك التحركات بدرجة توافق المعارضة والنظام على قبولها، وبمدى تحقيقها مطالب الحد الأدنى لكل منهما، فضلاً عن تأييد واشنطن لها، والذي يتأثر بدوره بتطورات الصراع في سورية.

كما يرتبط نجاح "موسكو 1" بقدرة الروس على مساومة الملف السوري بنظيره الأوكراني، وعلاقاتها مع دول الجوار كالاتحاد الأوروبي الذي يتجه نحو التشدد في مواقفه إزاءها، مما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الإعلان عن عقيدة عسكرية جديدة تعتبر تمدد حلف الناتو في حديقته الخلفية خطراً لا يقل أهمية عن مكافحة الإرهاب الذي تصدر قائمة أعداء روسيا في المرحلة المقبلة.

ويبدو اتجاه روسيا للنشاط الدبلوماسي في الملف السوري رداً سياسياً أكثر منه رغبة، لامتلاك ورقة لعب جديدة في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي تعاني منه بعد انهيار أسعار النفط العالمية، وخسارتها ملايين الدولارات جراء ذلك، وخوفاً من "ليونة" إيرانية محتملة إزاء "الجزرة" الأمريكية التي عرضت تفويض نظام الملالي بالتحكم في منطقة الشرق الأوسط، ما يعني بقاء روسيا وحيدة في مواجهة المجتمع الدولي، فسياسة الدب الروسي المعروفة ببرودة تحركاتها واعتمادها على القوة العسكرية، لا تلتفت كثيراً لإيجاد الحلول السياسية إلا بالقدر الذي يؤمن حرية المناورة لها في مواجهة الضغوط المتزايدة، وقد تكون ورقة الحل السياسي في سورية، الورقة الأخيرة التي قد تلعبها موسكو قبل أن ينفد صبرها إزاء الضغوط، وتعود مجدداً لاستعراض القوة العسكرية وربما استعمالها في أوروبا تحديداً.