ميليشيا "الدفاع الوطني" مهددة بفعل الجهود الروسية لحلها والاستعاضة بـ"الفيلق الرابع"

الثلاثاء 01 ديسمبر / كانون الأول 2015

مراد القوتلي - خاص السورية نت

ارتبطت بداية الغارات الروسية ضد المدن السورية في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، بالإعلان عن "الفليق الرابع" ضمن صفوف ما تبقى من جيش نظام بشار الأسد، ومنذ نحو شهرين بدأ اسم هذا الفيلق يظهر بشكل مكثف في إعلام النظام ووسائل الإعلام الأخرى المؤيدة له، واكتسب أهميته في كونه إحدى أهم الفصائل العسكرية التي تعتمد عليه روسيا على الأرض وتدعمه بالطيران خلال المعارك التي يخوضها الفيلق في وسط وشمال سورية.

 وفي ذات الوقت تشير الوقائع على الأرض السورية إلى أن تعاظم دور الفيلق حجّم من دور وتأثير ميليشيا "الدفاع الوطني" التي شكلت رديفاً مهماً لجيش النظام خلال السنوات الأربعة الماضية، وما بين "الفيلق الرابع" و"الدفاع الوطني" خفايا تعكس تنافساً بين موسكو وطهران على من يمتلك نفوذاً أكبر في قوات النظام، لا سيما وأن ميليشيا "الدفاع الوطني" وجدت بأمر إيراني نفذه الضابط السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين همداني الذي قتل في 9 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قرب حلب. واللافت أنه مع بدء الإعلان عن الفيلق حلت قوات النظام إحدى المجموعات التابعة لميليشيا "الدفاع الوطني"، وهو ما يطرح تساؤلاً هنا عن مصير هذه الميليشيا في ظل التغيرات التي تعصف بها، وما هو الدور الروسي في حل الميليشيا من أجل مزيد من التحكم بالمؤسسة العسكرية للنظام التي كانت خلال السنوات الأربعة الماضية حبيسة القرارات الإيرانية لحد كبير.

بداية الفيلق

بعد ثمانية أيام من تنفيذ أول غارة روسية ضد المدن السورية، أعلن رئيس هيئة الأركان في قوات نظام الأسد علي أيوب بتاريخ 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن تشكيل "الفيلق الرابع اقتحام"، وبعد هذا التاريخ بدأ الفيلق تحركاته في أرياف حماه واللاذقية، وشهدت المعارك البرية التي خاضها دعماً جوياً من الطائرات الروسية مكنته من تحقيق بعض التقدم، ويذكر مصدر موثوق مقرب من ميليشيا "حزب الله" أن نظام الأسد ينوي ضم مقاتلي "الدفاع الوطني" لهذا الفيلق الذي توليه روسيا أهمية كبيرة، وضمت إليه قوات من الفرقة الرابعة.

وبحسب المصدر الذي صرح لـ"السورية نت" في وقت سابق، فإن ماهر الأسد شقيق رأس النظام في سورية التقى منذ أكثر من شهر قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإيراني"، وأخبره عن نية نظام الأسد حل ميليشيا "الدفاع الوطني" ودمج عناصرها ضمن جيش النظام.

ويشير المتحدث باسم حركة "تحرير حمص" النقيب رشيد حوراني في تصريح لـ"السورية نت"، أنه بحسب المعلومات التي تجمعها الحركة، فإن الفيلق سيتركز بشكل خاص في منطقة الساحل السوري، معتقداً أن هذه القوة ستكون نواة يعتمد عليها النظام في حال قرر إقامة دويلة علوية له، لافتاً أن روسيا تضع ثقلها حالياً في "تنظيف" المنطقة الساحلية وبلدات ريف إدلب القريبة من الساحل من قوات المعارضة. ويرى حوراني أن النظام يستخدم ميليشيا "الدفاع الوطني" كورقة يستخدمها في أية مفاوضات، وقال إن "النظام ينظر لأفراد هذه الميليشيا على أنهم مرتزقة".

أسباب لحل الميليشيا

ترى روسيا في ميليشيا "الدفاع الوطني" قوة أثرت على سمعة جيش نظام الأسد، حيث تحولت إلى قوى متناحرة فيما بينها، واشتهرت بعمليات السرقة، والسطو، والخطف، كما شكلت لروسيا مصدر خوف من أن يفقد النظام سيطرته على عناصر الميليشيا المدعومة من إيران، ويعزز مخاوف موسكو الحال الذي وصلت إليه بعض مجموعات "الدفاع الوطني" من تمرد على قرارات النظام وعدم الانصياع له، لا سيما المجموعات المتواجدة في محافظتي حمص وحماه، حيث تتمتع إيران هناك بنفوذ كبير على الميليشيات.

على سبيل المثال ما تزال ميليشيا "الدفاع الوطني" المدعومة في حمص، تفشل أية مساع لإنجاح تطبيق الاتفاق الذي أبرم العام الماضي بين المعارضة والنظام بواسطة من الأمم المتحدة، والذي ينص على السماح لأهالي أحياء حمص القديمة بالعودة إلى منازلهم مقابل خروج مقاتلي المعارضة عنها.

وتمثل الخلافات بين مجموعات ميليشيا "الدفاع الوطني" أبرز الأسباب التي جعلت مؤيدين يضغطون على النظام لدمجها في الجيش، فهذه المجموعات تتلقى كلاً منها على حدا، دعماً من شخصيات أمنية وعسكرية كبيرة في سورية، وبعضها يتلقى دعماً مباشراً من طهران، وقد تسببت الخلافات في مرات عدة بمقتل عدد من قوات النظام، ونجم عن ذلك اضطراباً في المؤسسة العسكرية التي تعمل موسكو عبر تدخلها العسكري إلى تقويتها.

ووثق ناشطون ميدانيون عدداً من حالات الاقتتال بين مجموعات "الدفاع الوطني"، منها ما حصل يوم السابع من أغسطس / آب الماضي، حيث قتل ما لا يقل عن 10 مقاتلين في صفوف الأمن وعناصر "الدفاع الوطني" في قرية جبورين بريف حمص، وذلك على خلفية محاولة عناصر الأمن اعتقال أشخاص من مجموعة تدعى "مجموعة إسكندر"، ويعرف عن الأخيرة أنها تتلقى دعماً واسعاً من "فيلق القدس" الإيراني. وفي تاريخ 29 أبريل/ نيسان الماضي، دارت اشتباكات أيضاً بين قوات الأمن وجنود في "الدفاع الوطني" بحي الزهرة في حمص، جراء اتهام الأمن لعناصر الميليشيا بالضلوع في تفجيرات هزت الحي الموالي للنظام، وأدت لمقتل وجرح العديد من قاطنيه.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "السورية نت" فإن روسيا التي تدعم "الفيلق الرابع" ترى في حل ميليشيا "الدفاع الوطني" ودمجها في صفوف الجيش حاجة ماسة، إذ تريد روسيا تريد أن يكون جيش النظام أكثر انضباطاً عبر تجميع صفوفه وخوضها القتال تحت أمرة المؤسسة العسكرية للنظام بحيث تكون قادرة على التحكم بها دون السماح بخروج بعض المجموعات عن أوامرها.

وفي هذا السياق، يشير المحلل العسكري والعقيد السوري مالك الكردي في تصريحات لـ"السورية نت" إلى أن النظام عمد منذ البدء على إضفاء شيء من الشرعية على عناصر "الشبيحة" غير المنضبطين عبر تسميتهم بـ"الدفاع الوطني" وتقديمهم على أنهم جزءاً من العمل العسكري، ويرى العقيد أن هذا الإجراء لم يعطي هذه المجموعات الشرعية الكاملة، ويضيف أنه في ظل النقص البشري الذي يعاني منه الجيش النظامي يجد النظام أنه بحاجة إلى إعادة ترتيب صفوف جيشه، وبذلك فإن اتجاه النظام بدعم روسي لحل ميليشيا "الدفاع الوطني" يصب في هذا الإطار.

ويلفت العقيد الكردي إلى أن روسيا والنظام ترغبان من دمج ميليشيا "الدفاع الوطني" في صفوف الجيش لتمكين موقف النظام في أية مفاوضات قادمة، ويوضح الكردي أن النظام يريد أن يقول للجميع إن لديه قوى منتظمة تحت سيطرته لا أحد فيها يتصرف بعيداً عن أوامره، وفي ذات الوقت يريد النظام أن يظهر قوات المعارضة على أنها غير منتظمة ومتناحرة فيما بينها.

بوادر لحل الميليشيا

يبدو أن نظام الأسد مقتنع بالرغبة الروسية في حل ميليشيا "الدفاع الوطني"، إذ بدأ فعلياً بهذا الأمر عبر اتخاذ قواته النظامية قراراً بداية نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بحل الميليشيا في منطقة القلمون بريف دمشق والتي تتخذ من مدينة يبرود مقراً أساسياً لها، حسبما كشفه مراسل "السورية نت" نبوخذ نصر في وقت سابق.

وفي نفس السياق، يعكس تعامل النظام الحالي مع هذه الميليشيات بوادر رغبة منه في التضييق عليها تمهيداً لحلها، وأهم الإجراءات الآنية قطع النظام الرواتب عن عدد كبير من عناصر الميليشيا وتخفيف الدعم المقدم لها، وتقليص سلطاتهم لصالح الجيش. وتقليل الاعتماد عليهم في قيادة الحواجز العسكرية داخل المدن السورية.

ويعزى أحد أبرز أسباب انضمام المقاتلين إلى "الدفاع الوطني" إلى الحصول على مبلغ مالي جيد نهاية كل شهر، بينما يرى العقيد الكردي أن الدوافع الطائفية تمثل سبباً رئيسياً في التطوع، فضلاً عن امتلاكهم سلطات مطلقة وحرية التنقل بين المدن التي يسيطر عليها النظام، وأدى التضييق على عناصر الميليشيا إلى أن الكثيرين منهم تركوها وانضموا إلى ميليشيات محلية مناطقية بدأت تظهر بشكل جلي في الساحل السوري.

وفي الاتجاه نفسه، يؤكد الصحفي السوري عماد شقير لـ"السورية نت"، أن النظام وخلال حملته الأخيرة لسحب الشباب من المتخلفين والاحتياط إلى الجيش، اعتقلت قواته 3 من المتطوعين في "الدفاع الوطني" بدمشق، وأجبرتهم على الانضمام إلى الجيش. وبالموازاة مع ذلك يؤكد مراسلنا في حمص، يعرب الدالي، أن النظام أجبر مقاتلين من "الدفاع الوطني" ممن هم في سن تكليف الجيش بترك هذه الميليشيا والانضمام إلى صفوف الجيش، مؤكداً أن مقاتلي الميليشيا سيجري دمجهم ضمن "الفيلق الرابع" بعد إخضاعهم للتدريب في معسكر الدريج بريف دمشق.

من جانب آخر، يشير شقير أنه بحسب معلومات يحصل عليها من مقربين من "الدفاع الوطني" فإن جزءاً كبيراً من المقاتلين في الميليشيا، فضلوا البقاء في مناطقهم على الانضمام لصفوف الجيش. وأضاف أنه على سبيل المثال فإن ميليشيا "الدفاع الوطني" في مدينة جرمانا بريف دمشق، ومجموعتا "نزيه الجربوع"، و"نايف العاقل" في محافظة السويداء، قررتا البقاء في مناطقها مع سلاحها حتى لو لم تتلقى الرواتب، لكنها رفضتا في ذات الوقت أية إجراءات لدمجها ضمن صفوف الجيش أو سحبها للقتال خارج مناطق تواجدها. ويلفت شقير أن دوافع هذه الميليشيات لحمل السلاح ليس حباً بالنظام بل لأسباب طائفية.

بدوره يؤكد النقيب حوراني في تصريح خاص لـ"السورية نت" أن النظام أصبح يهضم حقوق أفراد ميليشيا "الدفاع الوطني"، حيث يتركهم بلا رعاية طبية بعد الإصابة، مضيفاً أن البعض منهم يُطلب منه تسليم سلاحه عند انتهاء مهمته، وهو ما لم يكن سابقاً.

صراع نفوذ

لا شك أن روسيا قد تجد صعوبة في حل ميليشيا "الدفاع الوطني" وغيرها من الميليشيات المرتبطة بإيران، وهو ما أكده قيادي في الائتلاف الوطني السوري الذي قال لوكالة آكي في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي نقلاً مصدر روسي مسؤول أن "موسكو تواجه عقدة في حل ميليشيات النظام الطائفية مختلفة التسميات، وأنها تفاجأت بعددهم الكبير الذي قدّره المصدر الروسي بنحو خمسين ألفاً"، وأضاف عضو الائتلاف الذي لم يذكر اسمه: "وفق ما أخبرنا المصدر روسي أن روسيا بدأت بالفعل حل ميليشيات للنظام واستبعاد ميليشيات حزب الله اللبناني ومقاتلين شيعة من جنسيات مختلفة يتبعون مباشرة لقيادات عسكرية إيرانية، لكنهم يواجهون الآن عقدة عدم استطاعتهم حل كل الميليشيات بسبب عددها الضخم"، حسب تعبيره.

وليس الحديث عن صراع نفوذ إيراني روسي في سورية بعيداً عن الواقع، رغم سعي الطرفان لدعم نظام الأسد وتثبيته في الحكم، فإيران التي قدمت منذ أربع سنوات المال والمقاتلين للنظام تجد من الصعوبة بمكان حل الميليشيات التي مكنتها من أن يكون لها دوراً في قرارات النظام، وسبباً في إكسابها بعض أوراق التفاوض في الملف النووي الإيراني، وجهة فاعلة بالقضية السورية يستوجب حلها التواصل مع طهران لا تجاهلها.

ويتفق العقيد الكردي بوجود تنافس على النفوذ في سورية بين إيران روسيا، وقال لـ"السورية نت" إن "موسكو بتدخلها العسكري في سورية كفت يد إيران عن سورية"، ولفت إلى أن التغلغل الإيراني في البلدات والمدن السورية شكل مصدر خوف لطائفة النظام التي خشيت من التشييع، "لذلك عندما تدخلت روسيا اندفع النظام ومن يؤيده إلى الروس متجاهلين الدور الإيراني في دعم النظام، وكأنهم لم يقدموا شيئاً له" حسب قوله.

ويعتقد الكردي أن روسيا أصبحت الآن صاحبة القوة المطلقة في سورية، والأقدر على فرض إرادتها، وإخضاع جيش النظام وكافة الميليشيات الأخرى لهيمنتها، ويضيف أنه طالما تحقق روسيا نوعاً من الانتصارات للنظام، فإنه بالنهاية سيخضع لمنطق القوة وتنفيذ ما تريده روسيا.

وينوه العقيد الكردي إلى أن روسيا من جهتها حازمة في جعل الأمور تسير بحسب رغبتها، عبر اتباعها سياسة التأديب للجهات العسكرية مع النظام التي لا تنصاع للأوامر، مستبعداً الروايات الروسية حول قصف قوات صديقة (من النظام) بالخطأ، معتبراً أن ذلك بمثابة رسائل روسية لكل من يريد الخروج عن دائرة التعليمات.

ويؤكد كلام الكردي مصدر على علاقة بضباط النظام، قال لـ"السورية نت" إن الضباط الإيرانيين الموجودين في سورية غير راضيين عن شكل التدخل العسكري الروسي، وبحسب المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه فإن أحد الضباط الإيرانيين في سورية أبلغ قيادته عن الازدراء من التدخل الروسي في سورية وأنهم يحاولون أن يحصدوا ثمار الدعم الإيراني للنظام، وتمكن الجنود الروس من التقاط المكالمة وقصفوا مقر غرفة العمليات التي تواجد فيها الضابط، وحينها قالت وسائل الإعلام الإيرانية إن الضابط قتل في معارك ريف حلب.

وتبقى الإشارة إلى أن ميليشيا "الدفاع الوطني" خسرت أهم عامل ساهم في تعزيز دورها في مناطق النظام، وهو القاعدة الشعبية، ويلحظ المتابع لآراء الموالين للنظام في هذه الميليشيا أن حلها أصبح ضرورة أكثر من ذي قبل ليس لأسباب عسكرية فقط، بل لتحولها إلى مصدر خطر لا يقل عن خطر من يصفهم النظام والموالين له بـ"الجماعات الإرهابية".

اقرأ أيضاً: توتر في السلمية على خلفية "التجنيد الإجباري" وتشييع قتلى

المصدر: 
خاص - السورية نت

تعليقات