مَن يجرّب المُجَرّب...

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5 - 3 - 2019
العربي الجديد

يُقال إن "مَن يجرِّب المُجَرَّب عقلُه مُخرّب". ومن هنا، فإن محاولة إعادة تأهيل نظام الأسد، بهدف إبعاده عن حضن نظام طهران ستفشل، مثلما فشلت تجارب أخرى لإعادة تأهيله في الماضي؛ فهو رهينة له. كلا النظامين يعرف ويتقن مهمة أخذ الرهائن، حيث كانا، في ثمانينيات القرن الماضي، يأخذان رهائن غربيين، ويقايضان عليهم، ويبتزّان الغرب عبرهم. لقد انتهى ذلك الزمن؛ والغريق لا ينجي غريقاً.

يصعب إعادة تأهيل نظام الأسد، لأنه انهار من اللحظة الأولى التي تجرأ فيها سوري أن يقول لا.. وأخيراً، اتضحت ملامح هذا الانهيار حتى للمترامين عند بسطاره العسكري؛ فهم بلا أمان حياتي. والملالي ليسوا قادرين على رفعه من المستنقع، ولكنهم يلوذون بالبقاء معه في ذلك الوحل، حريصين على ألا يخرجوا من سورية، كي لا يخرجوا من إيران ذاتها.
الجديد في الانهيار أن نظام الأسد انهار من نواح رئيسية، إذ قوّضت المليشيات وأمراء حرب "الدولة" في مناطق مختلفة يُسيطر عليها، حيث تتنافس هذه المليشيات الجشعة فيما بينها وتتصادم في بعض الأحيان، كما حدث، أخيرا، بين الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وقوات النمر بقيادة سهيل الحسن. ليست الاشتباكات بين الفصائل المؤيدة لإيران والمؤيدة لروسيا داخل نظام الأسد سوى دليل على طبيعة النظام العاجز عن أداء وظيفته.
يتمثل البُعد الثالث لهذا الانهيار بالصراع الروسي- الإيراني، فقد فسره بعضهم أنه أول صدام داخل المحور الإيراني الروسي، فبعد إنقاذ الأسد، بدأ الطرفان في التنافس على الهيمنة. ومما يشير إلى زوال هذا التحالف في سورية ما صدر عن موسكو أخيرا، حين أكد الروس لدول عربية أنه سيتم الحد من نفوذ إيران كجزء من إعادة تأهيل نظام الأسد، وأكّدوا لإسرائيل أن روسيا وإيران ليستا حليفتين حقيقيتين، بل يتعاونان فحسب.
ويتم هذا كله في الظاهر، ولكن المراقب الحصيف للعلاقات المشبوهة بين الإجرام وداعميه تؤكد أن الرسائل الروسية بشأن الخلافات مع طهران ليست إلا حملة تضليل، تأتي في وقت تدفع فيه موسكو بقوة لإعادة دمج الأسد في النظامين، الإقليمي والدولي، وأن الحكومة الروسية غير قادرة على الحد من نفوذ إيران في سورية، ناهيك عن القضاء عليه؛ وليس هناك ما يفيد بأنها تريد ذلك.
الأخطر في خريطة تلك المواقف من منظومة الأسد هو الموقف الإسرائيلي، والذي ثبت أنه حاسم في استمرار تدمير النظام سورية مقابل بقائه الأشوه، فموقف إسرائيل من إعادة تأهيل الأسد ما يزال غير واضح؛ خصوصا في ضوء الحديث عن إخراج إيران من سورية (المطلب الإسرائيلي المعلَن). ولا أحد يستطيع التيقن فيما إذا كان رئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو، يطالب في موسكو بخروج إيران أم بإبقائها في سورية، حرصاً على نظام لطالما أراد بقاءه بأي ثمن.
وتعمل موسكو، على جبهة ألصق، على تعزيز التعاون بين نظام الأسد وتركيا، من خلال اقتراح إعادة تفعيل "اتفاقية أضنة". على الرغم من أن الأمر في مصلحة أنقرة، إلا أن ما يربك موسكو أن تركيا ما تزال الدولة الوحيدة من بين داعمي المعارضة التي ترفض بشدة إضفاء صفة شرعية على النظام السوري.
في السوابق التاريخية لإبعاده عن إيران، كان نظام الأسد قد عُزل سابقاً في منتصف العقد الماضي بسبب استخدامه الإرهاب في السياسة الخارجية، وبالتحديد التعاون مع "القاعدة" ضد القوات الأميركية في العراق والحكومة العراقية، ليأتي بعد ذلك الأمر الذي رمى نظام الأسد كلياً في الأحضان الإيرانية، وهو اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، بالتعاون مع مليشيا حزب الله. بعدها جهدت دول الخليج لإغراء الأسد بعيدا عن طهران، ولكن تلك الجهود جعلته أكثر اعتمادا على إيران. والآن، يتبيّن أن أي استثمار في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سورية، في الوقت الحالي، هو ببساطة تمويل للمشروع الإقليمي لإيران.
المبرر المطروح من مسؤولي الخليج لإعادة التطبيع مع دمشق هو أنه "ما دامت لا توجد خطة لطرد إيران بالقوة من سورية، فإن هذا هو أفضل شيء. ويزعمون أن ذلك يعزّز من قوة الأسد ويسانده، الأمر الذي يُضعف هيمنة إيران بمرور الوقت، ويجعل للدول الخليجية تأثيرا على الأسد".
ضمن غرفة عمليات إعادة تأهيل النظام، تبقى بعض الدول العربية بين مد وجزر تجاه المسألة، فدولة فتحت سفارتها في دمشق مع نهاية العام المنصرم، تعود وتسحب القائم بالأعمال الذي وضعته هناك. وأخرى كانت متحمسةً لعلانية استمرار العلاقة، تفتر همة مليكها حول الموضوع، نظراً للبيئة غير المشجعة لذلك. وثالثة أمرها محسوم تجاه نظام خذلها، وكذب عليها أكثر من أي مسيلمة؛ ورابعة تقول إنها كانت فاعلة بعدم عودة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية. هناك بالتأكيد مَن اتصل مع جامعة تلك الدول معبراً عن عدم حماسه أو رغبته بخطوة كهذه؛ فتريّث الأخوة تماماً. يبقى القول الفصل قائماً: "من يجرّب المجرب، عقله مخرّب".

تعليقات