مُداهمةٌ واشتباكاتٌ وحصارٌ بعدَ طولِ هدوء.. تفاصيل خاصة لـ"السورية.نت" تكشف قصة أحداث الصنمين بدرعا

من المظاهرات التي شهدتها مدينة الصنمين في الأشهر الأولى للثورة -أكتوبر/تشرين الأول 2011
الاثنين 20 مايو / أيار 2019

ليس حدثاً عادياً ولا عابراً ما تشهده مدينة الصنمين في ريف درعا الشمالي، منذ عدة أيام، فالمدينة دخلت يومها الخامس من الحصار الذي تفرضه قوات الأسد، والتي تمنع دخول وخروج المدنيين والمواد الغذائية بشكل كامل، باستثناء السماح فقط لطلاب الجامعات بالخروج منها، ليأتي الحصار متمماً لمشهد الاشتباكات التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية، والتي أدت لمقتل وجرح عدد من عناصر قوات النظام وعدد من المدنيين.

ماذا حدث؟

في تفاصيل ما حدث في الصنمين، فإن دورية لمركز الأمن الجنائي، داهمت أحد الأحياء لاعتقال عدد من "المطلوبين"، أبرزهم أغيد الزهرة، القيادي السابق في فصائل المعارضة، والذي انضم إلى "اتفاقية التسوية" مع قوات النظام، رفقة مجموعة من عناصره، وحافظ على تواجده داخل المدينة بسلاحه الخفيف.

قوات النظام جُوبهت بمقاومة مسلحة، يبدو أنها لم تكن تتوقعها، ما أدى إلى مقتل أحد عناصرها وجرح آخرين، من بينهم النقيب عمر جمعة، رئيس مركز الأمن الجنائي في المدينة، لينتهي التصادم باعتقال ثلاثة من "المطلوبين" فقط.

ما يمكن اعتباره بـ "الفشل" في عملية المداهمة، وتنظيم العلاقة بين "مقاتلي التسوية" وقوات النظام، دفع بالأخير إلى الاستعانة بـ "السلاح" الذي يتقنه، ليفرض الحصار على المدينة، ويضرب طوقاً أمنياً في محيطها بشكل كامل، إذ أُبلِغَ عدد من ممثلي لجان المصالحة السابقين، أن الحصار لن يُفك حتى يتم تسليم جميع المطلوبين في المدينة، وإجراء عمليات تفتيش على الأسلحة الخفيفة، وهي شروط تتناقض مع "اتفاقية التسوية".

ممثلون عن الأهالي بدأوا محاولات "حلحلة" المسألة، والتوسط لدى قوات النظام لفك الحصار، قبل أن تشهد المدينة في اليوم الرابع من حصارها، هجومًا ليلياً شنه "مجهولون" على مركز الأمن الجنائي، لم يُسفر عن أي قتلى أو جرحى من عناصر المركز، لكن الرصاص العشوائي الذي اكتظت به المدينة خلال دقائق الاشتباك، أدى إلى مقتل أحد المدنيين.

الغموض الذي لَفَّ هذا الهجوم، دفع بكل الأطراف لتفسيره بطرق مختلفة، فالنظام اعتبره تصعيدًا من "المسلحين"، بينما شكك آخرون واعتبروا ما حصل "فبركة" من النظام لخلق الذرائع لتنفيذ عملية عسكرية وأمنية داخل المدينة.

بينما اعتبرت أطراف مؤيدة للثورة ومعارضة لـ "اتفاقية التسوية"، أن ما حصل هو ردّ فعل من الثوار على حصار المدينة، في حين اكتفى مجلس محافظة درعا ببيان، ناشد فيه المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بالعمل على فك الحصار.

لماذا الصنمين؟

أمام هذه التطورات، لابد من طرح السؤال: لماذا الصنمين تحديدًا؟ ولماذا الآن؟ ومن هم المسلحون الذين يواجهون النظام؟

في البداية، يجب الإشارة إلى أن "اتفاقية التسوية" التي تسري في مدينة الصنمين، ليست جزء من الاتفاقية التي عُقدت في معظم مدن وبلدات جنوب سورية، في يوليو/تموز من العام الماضي، فالصنمين كانت أول مدينة في محافظة درعا تعقِدُ اتفاقية منفصلة مع قوات النظام منذ أكثر من أربعة أعوام، رَسَتْ على سيطرة مجموعات فصائلية صغيرة على داخل المدينة، بينما اكتفى النظام بالسيطرة على الثكنات العسكرية والمربع الأمني في محيط المدينة.

طوال تلك السنوات، شهدت المدينة عدة خروقات، لكنها دائماً ما كانت تُحَلّ بأسرع وقت، حتى أن اتهامات العمالة للنظام و"خيانة" الثورة لاحقت قادة الفصائل داخلها بشكل دائم، لطبيعة العلاقة التي كانت تربطهم مع قوات النظام وضباطه, ورفضهم المتكرر المشاركة أو الانخراط في المعارك التي كانت فصائل المعارضة تواجهها في المناطق القريبة من الصنمين، ومنهم القيادي "الزهرة" ومجموعته الذين كانوا جزء من تصاعد الأحداث الأخير.

مصدر متابع لمجريات الأحداث في المدينة، اعتبر في حديث لـ"السورية نت"، أن ما يحصل أقرب لأن يكون جزء من مخطط وضعه النظام لخلق الذرائع لاقتحام المدينة، وتجريد المقاتلين فيها من أسلحتهم بالكامل، وإنهاء ظاهرة بعض القادة السابقين الذين كانوا جزء من تاريخ اتفاقيات النظام مع المدينة نفسها.

فالصنمين كانت ومازالت حالة استثنائية وخاصة، في مشهد الثورة جنوب سورية، هي ليست المدينة المحررة بالكامل ولا الخاضعة للنظام بالكامل أيضاً، والفصائل فيها ليست ثورية بحتة، وكذلك لا يمكن اعتبارهم قوات "رديفة" للنظام.

المصدر ذاته، رأى أن اختيار النظام لـ "الأمن الجنائي"، كجهة لتنفيذ عملية الاعتقال بحق القياديين، هدفه إظهار أن الاعتقال سببه جرائم جنائية وليس أمنية أو سياسية، وهي الجرائم التي لا تسقطها "اتفاقية التسوية".

كما أن عديد الدورية التي توجهت لاعتقال المطلوبين، والتي لم تتجاوز عشرة عناصر، يثير العديد من إشارات الاستفهام، فمن المؤكد أن النظام كان يدرك أن هكذا عملية اعتقال، تحتاج إلى عديد وعتاد أكبر، ما جعل الأمر يظهر وكأنه نوع من الفخ لاستدراج "المطلوبين" لاستضعاف عددهم والاشتباك معهم، ليضيف تواجد رئيس المركز، الذي أصيب لاحقاً، ضمن الدورية، علامة استفهام لا يمكن تفسيرها إلا ببحث النظام عن تعرضه للإصابة للتمسك بدليل تعرض أحد ضباطه للإصابة أثناء المواجهات.

الحلقة الأضعف

ويُمكن اعتبار الصنمين، بأنها الحلقة الأضعف في كل درعا؛ فهي ليست ريف درعا الشرقي التي تحكمه العلاقة بين النظام والفيلق الخامس، وليست ريف درعا الغربي المكتظ بالأسلحة، ما يجعل النظام مُتردداً بالدخول إليه، تفادياً لمواجهةٍ مع مدنه وبلداته، خشية تطوراتٍ "لا تحمد عقباها".

فالنظام يرى أن الصنمين هي الحلقة الأضعف، وتلقينها درساً ربما يكون رسالة إلى جاراتها؛ لذلك فالترقب والانتظار لما سينتهي عليه هذا الملف، يَهم معظم الناس والقوى في محافظة درعا، وليس الصنمين المحاصرة فقط، إذ أن سيناريوهات اشتعال المشهد في أماكن أخرى جنوب سورية، تبقى واردة للغاية.

المصدر: 
خاص: السورية.نت