"نبع السلام" في إطار الاستراتيجية التركية في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14 أكتوبر/تشرين الأول 2019
إضاءات
المؤلف: 

تؤكد عملية "نبع السلام" التي أطلقتها تركيا في شمال شرق سوريا استراتيجيتها المتبعة في الأزمة السورية في السنوات الأخيرة وأولياتها فيها، ويمكن اعتبارها مرحلة متقدمة تبني على ما سبق، وتمكّن من استشراف المستقبل بشكل أفضل.

متغيرات الموقف التركي

منذ بدء الثورة السورية في آذار/مارس 2011، بنت أنقرة موقفها من القضية السورية بشكل مرن ومتغير، بناء على تصور قائم على تفاعل ثلاثة عوامل رئيسة، هي المتغيرات الميدانية في سوريا وتطورات المقاربة الدولية لها ومدى قوة أو ضعف الوضع الداخلي في تركيا.

والحقيقة أن المتتبع للسلوك التركي في القضية السورية منذ بدء الثورة عام 2011 سيجد أنه مر بمراحل عديدة، وأن الموقف التركي لا يصاغ بناء على محدد واحد وحيد بل بتفاعل عوامل عديدة تجمع بين الأولويات والتوازنات والإمكانات المرتكزة على رؤية أنقرة للقضية السورية وبما يبني على مراحل مقاربتها لها. يجعل ذلك من عملية صناعة القرار التركي بخصوص المسألة السورية عملية معقدة جداً ولكن رغم ذلك متوقعة في كثير من الأحيان.

مر الموقف التركي من القضية السورية بخمس مراحل رئيسة، هي:

الأولى، حث النظام على الإصلاحات، وهي الفترة التي امتدت حى بدايات 2012 وتخللتها زيارات من وزير الخارجية آنذاك داودأوغلو ورئيس جهاز الاستخبارات فيدان ولقاءاتهما المتكررة بالأسد، وانتهت بسحب السفير التركي من دمشق بعد إصرار النظام على الحل الأمني وتضاؤل فرص الإصلاح السياسي.

الثانية، دعم المعارضة السورية بمختلف السبل – بما فيها السياسية والعسكرية – واستضافتها على الأراضي التركية وعدم الاعتراف بشرعية الأسد والمشاركة في مجموعة أصدقاء سوريا ولعب دور رئيسي بها. وقد استمرت هذه المرحلة حتى 2013 تقريباً.

الثالثة، دعم الحل السياسي في سوريا من خلال مسار جنيف وعلى قاعدة غياب/تغييب الأسد عن السلطة. ويمكن التأريخ لذلك بلقاء كيري – لافروف الشهير الذي اعتبر تأكيداً للحل السياسي للأزمة.

الرابعة، التراجع التكتيكي والقبول ضمناً ببقاء الأسد في السلطة ولكن مع التأكيد على عدم شرعيته وعلى ضرورة عدم مشاركته في السلطة في سوريا المستقبل. وقد استمرت هذه المرحلة حتى 2016، وشهدت عدة جولات من محادثات جنيف والتدخل الروسي العسكري المباشر وكذلك أزمة إسقاط المقاتلة الروسية في نهايات 2015.

الخامسة، المبادرة الهجومية، من خلال عمليات عسكرية على الأراضي السورية، أولاً بعملية “درع الفرات” في آب/أغسطس 2016 (بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة بقليل) ، وثانياً بعملية “غصن الزيتون” في كانون الثاني/يناير 2018، والآن مع عملية “نبع السلام”. هذه المناورة وتواجد تركيا على الأرض عسكرياً والانتصارات المتتالية التي حققتها أمنت لها مكاناً على الطاولة مع كل من روسيا وإيران ضمن مسار أستانا (نور سلطان حالياً) الذي شُكِّل من خلاله الإطار الثلاثي الضامن لوقف إطلاق النار.

اليوم، يمكن القول بأن الرؤية التركية للحل في سوريا تقوم على أنه حل سياسي برعاية دولية بعد وقف شامل لإطلاق النار، يرضي مختلف الأطراف بالحد الأدنى على الأقل، وبما يتضمن ويشمل وحدة الأراضي السورية ورفض/منع سيناريوهات التقسيم والتجزئة والإدارات الذاتية وكذلك عودة اللاجئين إلى بلادهم.

كيف يصنع القرار؟

تشكل العوامل الثلاثة الرئيسة المذكورة آنفاً، التطورات الميدانية والمقاربة الدولية والمشهد التركي الداخلي، مدخلاً مهماً لصنع قرار تركيا بخصوص الملف السوري، لكنها كذلك تتأثر بالشخصيات والمؤسسات المشاركة في صنعه إضافة لمثلث الأولويات والتوازنات والإمكانات الذي تراعيه أنقرة كثيراً وبحذر شديد في مختلف منعطفات الملف.

يمثل الرئيسُ رأسَ الهرم في السلطة التنفيذية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وفق الدستور التركي، كما أن تطبيق النظام الرئاسي أعطاه صلاحيات إضافية، لكنه لا يصنع قرار السياسة الخارجية بمفرده بطبيعة الحال، فضلاً عن القضية السورية بالغة التعقيد وسريعة التطورات. إذ هناك ثلاث مؤسسات رئيسة – وأخرى فرعية أقل أهمية – تشارك في صنع القرار بدرجات متفاوتة، وهي الجيش الذي تزايد دوره مع العمليات العسكرية خارج الحدود في كل من سوريا والعراق، والاستخبارات التي نسجت علاقات متينة وباتت صاحبة نفوذ كبير لدى المعارضة السورية، ووزارة الخارجية التي تقود الجهد الدبلوماسي لأنقرة.

مع انتقال القضية السورية من حالة الثورة الشعبية إلى المسلحة ثم إلى التدخلات الخارجية، بالتوازي مع تأخر التدخل التركي، وخصوصاً ما بعد التدخل الروسي خريف 2015، باتت أنقرة تدرك محدودية قدرتها على إحداث اختراق كبير في الملف السوري. ومنذ تلك اللحظة باتت خطواتها محسوبة بحذر وفق إمكاناتها، وخصوصاً العسكرية، التي لا يمكن مقارنتها مع الإمكانات الروسية فضلاً عن الأمريكية. ومن جهة أخرى، اختارت أنقرة لنفسها ولسنوات طويلة اللعب في المساحات الرمادية للخلافات والتناقضات الأمريكية – الروسية في الملف السوري، إضافة لتوازنات أخرى مرتبطة بأولوياتها في سوريا.

شهدت بداية عام 2014 إعلان الإدارات الذاتية في شمال سوريا على ثلاثة “كانتونات” تديرها وحدات حماية الشعب YPG، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي يعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض حرباً انفصالية ضد تركيا منذ 1984. وعليه، شكل هذا التحول منعطفاً مهماً في مقاربة تركيا للأزمة السورية، تخوفاً من إنشاء كيان سياسي على حدودها الجنوبية يكون معادياً لها ومنطلــَقاً لعمليات ضدها إضافة لتأثيراته السلبية على ملفها الكردي الداخلي.

ومنذ تلك اللحظة بدأت الأولويات التركية في القضية السورية في التبدل لتصبحَ منطلقات تركية محضة مرتبطة بما تعتبره أنقرة أمناً قومياً لها. بعد سنوات من التمنع والحذر والتحفظ، خوفاً من سيناريو الاستدراج والتوريط، تدخلت تركيا عسكرياً وبشكل مباشر في سوريا مع عملية درع الفرات التي قطعت التواصل الجغرافي بين الكانتونات. لاحقاً، قضت عملية غصن الزيتون على سيطرة الوحدات على منطقة عفرين ومنعت تواصلها مع البحر، ما أبقى على مناطق شرق الفرات كآخر قلاع الوحدات، أو باسمها الجديد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

وإذا كان الملف السوري تحوّل ليكون أولوية السياسة الخارجية التركية على مدى السنوات القليلة الماضية، ومواجهة مشروع PYD أولويتها في الملف السوري نفسه، فقد كان لها ولا زال أولويات فرعية. منها على سبيل المثال تحقيق وقف إطلاق النار في عموم سوريا تمهيداً للحل السياسي، وعودة/إعادة اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها إلى بلادهم، والمحافظة – قدر الإمكان – على ما تبقى في يد المعارضة السورية المدعومة من أنقرة (إدلب) من سيطرة النظام. لكن هذه الأولويات الفرعية لم ترقَ ولن ترقى يوماً لمستوى الأولوية القصوى المتمثلة بمواجهة مشروع PYD شمال شرق سوريا.

نبع السلام

وفق كل ما سبق، يمكن القول بأن تركيا كانت دائماً جادة في تهديداتها بعملية عسكرية في مناطق شرق الفرات ضد “قسد”، وتراها – أي العملية – محطة مكمّلة لما بدأته بالعمليتين السابقيتين لا يمكنها التخلي عنها وإلا ذهب جلُّ ما أنجزته سابقاً أدراج الرياح.

لم تعلن أنقرة يوماً نيتها القضاء نهائياً على وحدات الحماية أو سوريا الديمقراطية، وإنما تهدف إلى تقويض أي إمكانية لتحويل المناطق التي تسيطر عليها إلى كيان سياسي، لا سيما وأنها تشتمل على مزايا عديدة مثل الاتساع الجغرافي وثروات الماء والطاقة إضافة لتحول قوات “قسد” إلى شبه جيش نظامي من عشرات آلاف المقاتلين بدعم واشنطن وتسليحها وتدريبها.

العائق الأكبر للعملية كانت معارضة واشنطن لها في ظل تواجد قوات لها في المنطقة، ولذلك فقد التقطت تركيا موقف ترمب الراغب بالانسحاب من سوريا لتطلق العملية التي كانت أكملت استعداداتها منذ فترة. الناطق باسم الرئاسة إبراهيم كالين حدد هدفين رئيسين للعملية: تأمين الحدود التركية بإبعاد “العناصر الإرهابية” عنها وتأمين عودة مليوني لاجئ سوري إلى منطقة آمنة تنوي تركيا إنشاءها في المنطقة.

بالنظر للتحديات العسكرية المباشرة للعملية، والمواقف الدولية الرافضة أو المتحفظة عليها، إضافة لتذبذب الموقف الأمريكي، من المرجح ألا تسعى تركيا مباشرة وسريعاً لعملية واسعة النطاق مع توغل بري في عمق الأراضي السورية. لكن ذلك غير واضح ولا يمكن القطع به، وسيكون مرهوناً بالتأكيد بما تم الاتفاق عليه بين اردوغان وترمب في الاتصال الشهير مؤخراً، كما بالتطورات الميدانية.

في الخلاصة، ثمة إصرار تركي على عملية نبع السلام لمواجهة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مناطق شرق الفرات، بعدِّها واجب الوقت ضمن الاستراتيجية التركية الأشمل تجاه الملف السوري، وباستثمار رغبة ترمب بإخراج بلاده من “الحروب السخيفة التي لا تنتهي” وفق تعبيره.

العملية العسكرية، الثالثة من نوعها، تشترك مع سابقتيها في الرؤية والأهداف وكذلك في كونها هجومية مبادِرة في الشكل دفاعية في الجوهر والأهداف، معقدة في التبلور متوقَّعة في الاستشراف. لكن تبقى فرص نجاحها ومآلاتها وتداعياتها رهناً إلى حد كبير بالمدى الذي تود أنقرة الذهاب إليه بها، وبمستوى ما ستواجهها من مقاومة ميدانية واعتراضات سياسية.