نصر الله و”المعادلة السداسية”.. و”خط الرجعة”

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/7/2015
صحيفة المستقبل
المؤلف: 

فيما كان الأمين العام لـ»حزب الله» السيّد حسن نصرالله يتهيّأ لإطلالته في مناسبة «يوم القدس» عصر أمس الأول، كانت جدران المنازل في قرى البقاع الأوسط ترتجف مع كلّ برميل متفجّر يسقط على رؤوس أهالي الزبداني المحاصرة. ومنذ الإعلان عن إطلالته هذه، أي قبل أسبوع تقريباً، تُعايش المناطق الحدودية لحظات الهجمة الوحشية على الزبداني ومحيطها. ربما أراد السيّد أن يقدّم نصراً ما لجمهوره بعد أسبوع على المعارك الطاحنة، إلّا أنه اضطر للخروج دون أن يحمل في جيبه «بشرة خير» لمناصريه. لكنّه هيّأهم لحرب طويلة «على طريق القدس التي تمرّ بالزبداني والقلمون وحمص وحلب والحسكة والسويداء ودرعا»! وهو طريق طويل وشاق ومليء بالمزيد من التضحيات.

لكن لماذا رفع نصرالله شعار «الطريق الى القدس يمرّ في سوريا»؟
كلام «سيّد المقاومة» فيه إقرار بفشل محاولات تقديس ما يسميها «الحرب على التكفيريين»، والزعم أن هناك نكبة أكبر من نكبة نشوء دولة إسرائيل. خطابه ليس إلا إقراراً بأن لا مشروعية أخلاقية لأي سلاح يُحمل خارج عنوان المقاومة، ولذلك فهو يبحث عن مسوغات مفتعلة لإعادة ربط حروبه الطائفية بمشروعيته.

بعد تحرير الجنوب عام 2000، تحوّلت «المقاومة» من فعل الى عنوان تتستّر خلفه «شرعية» السلاح. وحين أُجبر الحزب على إلتزام الهدوء مع إسرائيل عقب عدوان تموز عام 2006، لجأ الى قوة سلاحه لفرض ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» في البيانات الوزارية، ليخوض تحت ستارها حربه الداخلية بهدف السيطرة على ما تبقى من الدولة. وعندما انطلقت المفاوضات النووية بين إيران و»الشيطان الأكبر»، تساءل مراقبون عمّا سيفعله حزب الله بشرعية سلاحه إذا ذهبت المقاومة بصفقة أميركية- إيرانية. وجد نصرالله الحلّ، وابتكر، بالتوازي مع الثلاثية الذهبية الداخلية، «خماسية» جديدة يفرضها على الداخل والخارج ليخوض بعنوانها حروب إيران المذهبية في سوريا والمنطقة. هي سداسية «الطريق الى القدس تمرّ في سوريا». وهل سيجد السيّد أقوى من «القدس» عنواناً ليُشرّع تدمير الزبداني وما تبقى من القلمون وحمص ودرعا وغيرها من المدن والقرى على مساحة سوريا ؟

لكنّ الذاكرة لا تُسعف جمهوره للتذكّر أن طريق القصير والقلمون والزبداني لطالما كانت مفتوحة أمام المقاومة لسنوات طويلة. ماذا حصل؟ ماذا فعل نظام حافظ الأسد ومن بعده نظام بشار الاسد طيلة 40 عاماً ولاحقاً «حزب الله«؟ كيف استثمر محور «المقاومة» هذا الطريق الذي كان سالكاً وآمناً وحظي بتأييد أهالي مدنها وقراها طوال عقود، للوصول الى القدس؟ بدلاً من أن يبلغ هذا المحور القدس من طريق سوريا، أو أي طريق أخرى، عمل حافظ الأسد على محاولة مصادرة القرار الوطني الفلسطيني. وعندما فشل في ذلك، حاصر هذا النظام أبو عمار في طرابلس والبقاع بقرار أميركي-اسرائيلي (كيسينجر- رابين)!

لم يكتف السيد بالإعلان عن ان الطريق الى القدس يمر بسوريا، بل قال «انك لا تستطيع ان تكون مع فلسطين الا اذا كنت مع إيران، واذا كنت عدوا لإيران فأنت عدو لفلسطين والقدس». هكذا يصف نصرالله كل مناهض لإيران ب»العدو لفلسطين»، فيبيح قتله كما يقتل السوريين باعتبارهم يخوضون حرب اسرائيل بالوكالة! وهكذا يضع كافة الشعوب العربية المناهضة لإيران في خانة «اعداء القدس»، علّه يستطيع ان يربط حربه المذهبية في سوريا والمنطقة بالغائية الأساسية المزعومة لوجوده السياسي والعسكري، التي أعطتهم المشروعية على مدى العقود الماضية.

ينتقل السيّد الى الملف اليمني ليسأل عن نتيجة «العدوان السعودي-الاميركي» على اليمن. ويقول، «مئة وسبعة أيام مضت على العدوان، والنتيجة ماذا؟ فشلٌ على فشل، ضعوا أهداف عاصفة الحزم يا عزيزي وأنظروا ما الذي تحقق منها، وضعوا أهداف إعادة الأمل يا حبيبي وانظروا ما الذي تحقق منها، لن تجدوا سوى الفشل يضاف على الفشل». يتحدث نصرالله وكأنه حقق أهدافه وأهداف الحرب الإيرانية على اليمن وسوريا. ماذا حقق نصرالله في حرب دخلها قبل سنتين، اي منذ اكثر من 730 يوما؟ من المؤكد أنه أنجز الكثير. الإنجاز لا يتعلق فقط بخسارة محوره كثر من 70% من الميدان السوري وبتدمير معظم المدن والقرى وبقتل مئات الآلاف وبتهجير الملايين! الإنجاز الإستراتيجي الأهم جاء على لسانه أمس الأول، حيث تحدث عن مؤتمر عقد الشهر الماضي في اسرائيل، خلص الى ان العدو «قاعد مرتاح ومستأنس». ففي موضوع سوريا «عبّر المجتمعون عن ارتياحهم لما يعانيه هذا البلد من حرب ودمار وقتال بمعزل عن النتيجة التي ستنتهي إليها سوريا»! من المؤكد ان فرح اسرائيل بدمار سوريا، الذي ساهم فيه السيد بشكل رئيسي، لا يوازي فرحتها بإعلانه ان الطريق الى القدس يمر في سوريا، ليقينها أن هذا لن يتحقّق أبداً.

اما لبنانيا فقد بدا واضحا ان نصرالله لا يتماهى مع عون في تحركه الأخير في لعبة الشارع، مبررا لنفسه عدم مشاركة الحزب في التحرك الشعبي من جهة، ومؤيدا بقاء الحكومة من جهة ثانية. لكنه بالمقابل قذف الكرة باتجاه تيار «المستقبل« وحمّله مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع الحكومية، وأكد أن الأولية يجب أن تكون لإنتخاب الرئيس! هل يقصد السيد إنتخاب رئيس للجمهورية دون العودة لمقولة «عون رئيساً أو لا انتخابات»؟! هل يقصد السيد أن حزبه سيتجه الى البرلمان لإنتخاب رئيس بعد مقاطعته لكافة الجلسات السابقة ؟! اراد السيد من وراء ذلك القول بأنه هو الحريص على حقوق المسيحيين، ونسي او تناسى انتزاع المديرية العامة للامن العام منهم، ويحاول دفعهم عبر عون لمواجهة تيار «المستقبل« الذي تخلّى عن موقع المديرية العامة للأحوال الشخصية لمصلحة الموارنة.

على الرغم من النبرة العالية والصراخ والتخوين، إلا أن نصرالله بدا أيضاً ضعيفاً ومتراجعاً. وتمثّل ذلك في أمرين: أولاً، أن السيّد الذي لطالما أبدع في صناعة القوالب النمطية «sterotypes» (ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات/ كما وعدتكم بالنصر دائما)، صار يشتكي من القوالب النمطية السلبية التي يصنعها خصمه ضده. وبات يقع في أخطاء كبيرة في ردّه على خصومه. فالقدس التي كانت عنواناً يخترق من خلاله نصرالله الرأي العام الإسلامي، وضعها اليوم في سياق حرب مذهبية واضحة. لذلك يصعب تسويغها. وبات من المستحيل إقناع الآخرين بعناوينه وقوالبها. ثانياً، وهو الأخطر، أن «سيّد المقاومة» الذي وعد جماهيره بـ»النصر»، تراجع كثيراً الى حدّ التشكيك بأن هذه الحرب ستهدأ لمصلحته. ففي نهاية خطابه، قال نصرالله ما حرفيته: «إن البعض يقول ستهدأ المعركة في سوريا لمصلحتي، من قال؟ مضت خمس سنوات، من يقول إنها ستهدأ لمصلحتك؟ أو، لأكون واقعياً، من يقول أنها ستهدأ لمصلحتي»؟! هكذا أنهى نصرالله حديثه بالعمل على «خطّ الرجعة». فمن قال إن المعركة ستنتهي لمصلحة نصرالله؟ هو قالها بلسانه، يوم اعتبر أن محور المقاومة يخوض معركة ربع الساعة الأخير قبل إعلان الإنتصار الكامل !

تعليقات