نظام ترامب العالمي الجديد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/6/2017
العربي الجديد
المؤلف: 

يبيّن تعاطي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع الحوادث والأزمات، القديمة والمستجدّة، وعلى الأخص منها، الحصار الذي فرضته عدة دول خليجية، أخيراً، على دولة قطر، مقدار افتقاده الأسس التي من المفترض برئيس أكبر دولةٍ في العالم الاستناد إليها قبل اتخاذه أي قرار، أو حتى قبل تصريحه بموقفه تجاه هذه المسألة التي كرَّست تناقضاته، كما تجاه القضية السورية قبلها، إن وضعنا ما قيل ويقال عن قصور نظرته جانباً. فإن كانت تناقضاته واحدة من العوامل التي أفضت إلى ما وصلت إليه الحال بين قطر وجاراتها، بات من الضرورة الإسراع بتحصين بقية الدول المرشحة للاستهداف، إن تعذّر العمل على وقف تمدد "الترامبية" في بقية العالم، حيث أخذت تفرض نفسهاً نظاماً جديداً. 

يصعب على من رأى في ترامب ظاهرةً تهريجية التصديق بأن نهجاً ظهر، أخيراً، في الولايات المتحدة الأميركية، يمكننا تسميته "الترامبية"، أو أنَّ نظاماً عالمياً جديداً قد تشكَّل، يمكن تسميته "النظام الترامبي العالمي الجديد"، إن لم يأخذ في الاعتبار النهج الذي أعلنه ترامب في أثناء حملته الانتخابية، وكرَّسته ممارسته بعد وصوله إلى حكم أميركا، فأعطى نتائجه، وأصبح له مريدون وأتباع في العالم، بل تبنته أحزابٌ وتياراتٌ سياسية في الغرب، من أجل الاهتداء للعمل وفقَه في بلدانها. فالرجل القوي والعدواني، المستهتر بالضعفاء، والذي لا يولي أي احترام للأعراف أو الأسس، ويحاول قلب التاريخ عبر ضرب المؤسسات، والتملص من الاتفاقيات والتشريعات، ليعمل على سنّ تشريعاته المتوافقة مع أهوائه ورؤيته الخاصة لمستقبل بلاده وشعبها، هذا الرجل سرعان ما أصبح مثار إعجابِ أصحاب التوجّه اليميني في بعض الدول الغربية. ووصل الأمر بمرشحين رئاسيين في أوروبا إلى تقمّص شخصيته، والمغالين في خطابهم اليميني من أجل الفوز في الانتخابات، تيمُّناً به، غير أنهم لم يفلحوا. 

ويكاد الأمر، هذه الأيام، يماثل البيئة التي سادت ما قبل الحرب العالمية الثانية، إذ اعتمد أصحاب الكثرة من اليمينيين في أوروبا مبدأ الضرب بدل المحاججة، حيث كان لسان حالهم يقول: "إذا كنا أكثر عدداً فلنضرب"، وكانوا يحلمون بأوروبا قوية تحكمها النازية. وهكذا، في ضوء بروز خطاب ترامب، الشعبوي والإقصائي، علاوة على خطاب الكراهية الذي اعتمده، خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أوصلته إلى البيت الأبيض، تداعى زعماء الأحزاب اليمينية في أوروبا إلى الاجتماع والبناء على خطابه أوروبياً، وقطف نتائج الضجيج الذي أحدثه في صناديق الاقتراع، في كل من هولندا وفرنسا وإيطاليا، بمساعدةٍ ودعمٍ خفيٍّ من روسيا التي مازال الكلام جارياً عن يدها الطولى التي ساهمت في وصول ترامب إلى الحكم. لقد ظنوا أن شراذمهم، وقد اجتمعت، أصبحت قويةً وقادرة على الضرب، لكنهم حين عادوا إلى أوطانهم، كان الخوف قد سبقهم إلى قلوب مواطنيهم، فكسرت خساراتهم حلم تمدّد الترامبية إلى أوروبا، لكن، ربما مؤقتاً.

طبعاً، كانت هنالك في أوروبا قوىً تراقب هذا المد المهدِّد للاتحاد، وكان سلوك ترامب المريب دافعها للتحرّك المضاد في ظل الجو الدولي الذي تحول إلى جو تسيطر عليه صبغة ترامب في كل المجالات. فقد انسحب من اتفاقية باريس لمكافحة تغيُّر المناخ، وقوَّضَ، قبلها، نظام الرعاية الصحية الذي أقرَّه الرئيس السابق، باراك أوباما، (أوباما كير)، وانسحب من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، وحظَر دخول رعايا سبع دول إسلامية إلى بلاده، مستكملاً بذلك سياسة العداء للمهاجرين، كما تراجع، قبل أيام، عن الاتفاقيات مع كوبا، ويهدّد دائماً بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران. يضاف إلى ذلك كله، سعيه إلى تقويض التوجُّه المتسارع نحو اعتماد الطاقة البديلة، بتشكيله تحالفاً من منتجي الطاقة الأحفورية، أميركا وروسيا والمملكة العربية السعودية، بمواجهة الدول التي تتجه نحو الطاقة البديلة، ألمانيا والصين، ما قد يؤدي إلى تقسيم العالم إلى معسكرين، حيث ثبت أن الطاقة دافعه في كل نشاط دولي يقوم به.

من ملامح النظام العالمي الذي يضع ترامب مداميكه، تنشيط تحالفٍ بلاده التقليدي مع القوى الإقليمية، كالعربية السعودية، والتركيز على الأسواق، وجعل النفط أولى أولويات نشاطه الاقتصادي، وإبرام الصفقات الضخمة، كالتي أبرمها مع العربية السعودية، في زيارته لها، في 20 مايو/ أيار. ونتيجة لهذا النهج، غضَّ ترامب النظر عن المطالب الأميركية الدائمة المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، حين قال في خطابه في الرياض: "لسنا هنا لإلقاء المحاضرات، لسنا هنا لنعلِّم الآخرين طريقة العيش، وما يجب عليهم القيام به، وكيفية العبادة. بدلاً من ذلك، نحن هنا لنعرض عليكم الشراكة". 

وما يهمنا، نحن في المنطقة العربية، هو مدى انعكاس هذا النهج على منطقتنا، وهل سيزيد من مصائبها مصائبَ بسبب اعتماده الفوضى في التعاطي مع القضايا التي تشغلها، ما يفاقم المآسي التي تعيشها ويساهم في تفجُّر نزاعات جديدة. فكما في مدِّه وجزره خلال تعامله مع القضية السورية، كذلك كان ترامب في تعاطيه مع الخلاف القطري الخليجي، أو موقفه من فرض الحصار على دولة قطر. كذلك، فبسبب عدم تركيزه على حقوق الإنسان التي لم تَغِب عن خطاب أي رئيسٍ سبقه، ربما تغاضى ترامب عن الإجراءات العقابية التي رافقت فرض الحصار وانتهكت، أول ما انتهكت، حقوق الإنسان القطري، وجميع المقيمين في قطر من رعايا دولٍ أخرى.

تعليقات