نظام محمد ناصيف

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/7/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

يندسُّ خبر وفاة اللواء محمد ناصيف، بمرضٍ عضال عن 81 عاماً الأسبوع الماضي في دمشق، بين حزمةٍ من أخبارٍ متوالية عن وجبات من عمليات الفتك والتقتيل التي يواصلها النظام السوري في حلب وغيرها، فنتذكّر أن الرجل ممن فرض عليهم الاتحاد الأوروبي عقوبة منع السفر، في العام 2011، غداة انطلاقة الثورة السورية، لدوره في قمعها، ولم يكن يتولى رسمياً موقعاً أمنياً، وهو الذي مكث سنواتٍ رئيساً للفرع 251 المتوحش في مخابرات أمن الدولة في سورية، قبل أن يغادره ليصير نائباً لمدير المخابرات العامة. كما جاء خبر وفاة ناصيف ليذكّرنا بمنصبه العجيب، معاون نائب رئيس الجمهورية بمرتبة وزير، أي معاون فاروق الشرع الذي لا حسّ له ولا خبر عنه، منذ نحو ثلاثة أعوام، وبدا خلع مهمة المعاونة هذه لناصيف، تحديدا ربما، إيحاءً بحصار الشرع ومراقبته. وجاء خبر الوفاة ليذكّرنا، أيضاً، أن الجنرال المتقاعد كان قد وُضع، أيضاً، في لائحةٍ أميركية لشخصيات معاقَبة، لدورها في استهداف الديمقراطية اللبنانية، على ما قالت واشنطن في العام 2007، فيما الرجل كان من أبرز من تولوا ملف العلاقات السورية الأميركية، في عهد رفيقه وصديقه، حافظ الأسد الذي أوكل إليه، ضمن مهماتٍ غير هينة العدد، تولّي شؤون الأبناء، بشار وباسل وماهر. 
شرور النظام السوري، التاريخية والراهنة، إنما تعود، أساساً، لبنائه أساساً على عماد أمني بوليسي تماماً، شيّده حافظ الأسد بإشرافه المباشر، ورسم له أدواره التي تغوّلت في الدولة السورية، وكانت من شمائله الأهم انعدام أي حساسيةٍ تجاه حياة المواطن السوري. ومن أعلام هذا العُمران الأمني محمد ناصيف خير بيك، شريك الأسد الأب في وثبة انقلاب الحركة التصحيحية إياها في العام 1970. لم تكن المسؤوليات المخابراتية وحدها شواغل هذا الرجل، ولا إشرافه بنفسه على جلسات تعذيب معارضين معتقلين في أقبية أجهزته، بل ثمة أيضاً تخريب منظمة التحرير الفلسطينية، والعمل على تقسيم حركة فتح، وتزبيط انشقاق أبو موسى. وكذا تصنيع المشهد اللبناني الراهن، بالعمل النشط من أجل قصر المقاومة على فئة وطائفة دون غيرهما. ولهذا كله، وغيره، كان محمد ناصيف صاحب دور كبير، غير ظاهر، في تعظيم العلاقات الإيرانية السورية، بعد ثورة 1979، وصاحب دور حاسم في تظهير حزب الله قوة غالبة في لبنان. 

لأنه من أهل هذا الهوى، وهذا المنحى في تعليب سورية على صورةٍ دون غيرها، مع التواصل اللازم مع أميركا، استحق محمد ناصيف مراثي من إعلاميين وسياسيين لبنانيين ذوي لون معلوم، فيما كان اسمه يشيع شعوراً بالرعب بين جموع من اللبنانيين، في الثمانينيات خصوصاً، كما رفيقيه علي دوبا ومحمد الخولي، وثلاثتهم يحظون لدى جموع وفيرة من السوريين بمقتٍ شديد، من فرط ما كان عليه جلاوزتهم من سفور في اضطهاد الناس، والقسوة الفظيعة في حماة وغيرها، في السجون والأقبية إياها، في أجهزة مخابرات واستخبارات، لا سقوف لصلاحياتها وامتدادات أذرعها. 

كان محمد ناصيف شديد التكتم، على ما يوضح عنه باتريك سيل، ولسنا نعرف ما الذي كان يدور في أفهامه ومداركه، وهو يرى سورية حطاماً أمام ناظريه، يرى كل شياطين التطرف والجهل الأعمى يحكمون ويتحكمون في حواضر ومدن وأرياف واسعة في سورية. لسنا نعرف المشاعر التي كانت تغشاه، على سرير مرضه مثلاً، وهو ينظر في نواتج ما زرعه، ورفاقُه في أجهزة الاستبداد الأسود، في المجتمع والبلد. ولا نظننا نسقط في أي شطط لو كتبنا، هنا، أن المسؤولية الأعظم عن الخراب السوري الراهن هي على النظام الأمني الذي صنعه حافظ الأسد، بمعونة محمد ناصيف خير بيك وزملائه، وتلاميذه من صنف رستم غزالي وجامع جامع. ونظنه صحيحاً أن بشار الأسد كان يسمع النصح المقيت منذ شبت الثورة على استبداده، من هذا الرجل الذي يستنفر خبر وفاته زوبعة من مشاعر حنق شاسعة. 

تعليقات