نعم، فشل الانقلاب... لكنه ليس الأخير؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/7/2016
السورية نت
المؤلف: 

بعد مرور أكثر من عقدين على آخر انقلاب عسكري في تركيا، عادت مجموعة من العسكريين الأتراك لتعلن أول أمس 15 يوليو/ تموز، عن انقلابها على الحكومة المنتخبة من قبل الشعب التركي، وذلك اعتراضًا منها على السياسة العامة للجمهورية التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية.

ورغم التشويش الكبير الذي خيم على المشهد السياسي والعسكري في تركيا، وما رافقه من حالة عدم الاستقرار والفوضى، فاجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العالم أجمع بخروجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي طالبًا من الشعب التركي النزول إلى الشوارع والساحات العامة للوقوف في وجه الانقلابيين.

وانطلاقًا من هنا، يمكننا القول أن رسالة أردوغان، لم تكن ناجمة عن إيمانه العميق بالمكانة التي يحظى بها لدى شعبه فقط، وإنما كانت بمثابة إشارة البدء التي أعطيت لوحدات المخابرات والشرطة، للتغلغل والتأثير على قرار الشعب ودفعه للنزول إلى الشوارع ومن ثم استعادة السيطرة على المشهد العام في المدن التركية.

ومما لا شك فيه، أن أردوغان أدرك جيدًا استحالة تغيير العقيدة التي بنيت عليها المؤسسة العسكرية التركية بين ليلة وضحاها، وفي الوقت الذي تجنب فيه الدخول في صدام مباشر مع الجيش التركي، عمد إلى إنشاء جهاز المخابرات العامة الذي تنطوي تحته أجهزة المخابرات في الجيش والأمن والخارجية.

وقد أوكل الرئيس التركي، قيادة  جهاز المخابرات الجديد إلى هاكان فيدان، الذي يعد رجل الإنجازات الأول في تركيا، وقوتها الضاربة التي تتفادها معظم دول العالم. ومنذ تعيينه كرئيس لجهاز المخابرات التركية، ابتعد فيدان، ابن 42 عامًا بجهاز المخابرات عن النمطية السائدة حينها وأشرف باحترافية كبيرة على إعادة تأهيل عناصره محليًا.

وبعد مرور عدة سنوات، أصبح جهاز المخابرات التركية قوة لا يستهان بها، وأوكلت إليه  العديد من المهام الإستراتيجية الإقليمية وفق الرؤى الدولة التركية، والداخلية لمواجهة "الكيان الموازي" آخرها مساهمته الفعالة بإفشال حادثة "انقلاب " المألوفة التي أقدمت عليها المؤسسة العسكرية، والتي يتم تدريب معظم ضباطها وقادتها الكبار على الأراضي الأمريكية. ومن هنا لنا أن نفهم مدى التورط الأمريكي في حوادث الانقلابات التركية.

لكن، ماذا عن "الانقلاب" وقادته؟ كان واضحًا أن أبرز أسباب فشل "الانقلاب" تمثلت بعدم وجود أي قوى فاعلة للانقلابيين تمكنهم من السيطرة على مساحات كبرى وحساسة داخل المدن التركية، وعدم قطع خدمة الانترنت، أو حتى القدرة على اعتقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومن الجيد أنها لم تحدث؟

إلا أن الفشل الرئيسي "للانقلاب" كان بالتوقيت، ويمكننا الجزم أن قادة الانقلاب احتاجوا لما هو أكثر من المقاتلات الحربية التي أخذت تحلق في سماء تركيا، أو قطع الجسور بين شطري مدينة اسطنبول، ومهاجمة بعض المقرات الأمنية، والمدنيين.

وما يدل على ذلك، هو غياب أي تأييد من قبل الأحزاب التركية المعارضة التي أظهرت بدورها وعيًا سياسيًا ووقفت إلى  جانب الحكومة. وكذلك عدم تأييد أي من السفارات التركية حول العالم أو رجال دولة كبار خارج تركيا للانقلاب. أي أن هناك حدثًا هامًا سرع بالبدء بعملية "الانقلاب"، والمؤكد أنها تمت عبر جهاز المخابرات التركي.

ولكي لا ننسى، أن أحد قادة "الانقلاب" المعتقلين هو العقيد محرم كوسا، قد سبق واعتقل بتهمة الضلوع بالتحضير لانقلاب عسكري مماثل في عام 2013، ثم عاد للحياة العسكرية بعد أن تم الإفراج عنه في صفقة دبرها القضاء الموالي للمعارض فتح الله غولن. وهو ينحدر من الطائفة "العلوية"، والحاصل على شهادة البكالوريوس في الحقوق من جامعة دمشق.  وعليه فإن، كوسا، هو أحد الأدوات الغربية التي كانت تحضر فعلًا لاستخدامها في تركيا، سيما إذا ما علمنا أن السياسة الغربية تفضل وجود الأقليات "العلمانية" في سدة الحكم كما في سوريا.

دوليًا، لم تكن الردود الدولية الأولية بريئة كليًا من المشهد الذي خيم على تركيا. وخلال ساعتين من عمر الانقلاب لم تعلن أي دولة موقفًا صريحًا مما يجري على الأراضي التركية. ما يعزز تلك الفرضية أن الموقف الأميركي العام ظهر جليًا عبر معظم وساءل الإعلام الأمريكية، إذ لم يستطع أن يخفي ارتياحه من الانقلاب، معتبراً أن الدستور التركي يجيز للجيش في تركيا أن يتحرك للحفاظ على مكانة البلاد وإعادتها للمسار الصحيح.

وتلاه، الموقف الأوروبي الذي اضطر هو الأخر وبعد تطور الأحداث لصالح الحكومة الشرعية، للتسليم بالأمر الواقع وأصدر بيانًا ندد فيه بالانقلاب، وعبر عن تأييده للشرعية الديمقراطية الحاكمة في تركيا. رغم الفتور في العلاقات مع تركيا، بسبب الاتهامات الأوروبية المتكررة لتركيا بتسهيل مرور اللاجئين، ومخالفة تركيا لحقوق الإنسان.

وللتاريخ، فإن أردوغان، تمتع بشجاعة نادرة عند مخاطبته للأتراك، واستطاع عبر محطة تلفزيونية واحدة، أن يحول نقطة ضعفه إلى قوة في مواجهة خصومه. ويبدو اليوم المدافع الأول عن الجمهورية ضد "الانقلاب" العسكري، حيث بدأ اليوم الثاني على فشل "الانقلاب" بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتعزيز الوحدة الداخلية، للجمهورية التركية بعد حصوله على ضوء أخضر، شعبي وسياسي.

أما الحقيقة التي لا يمكن إغفالها، هي القراءة الصائبة للرئيس التركي لعقلية الأتراك أنفسهم الرافضة لأي "انقلاب" عسكري جديد، نظرًا لحجم الأضرار التي ألحقتها انقلابات الستينيات والسبعينيات، وثمانينات القرن الماضي بالحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، حيث وصلت ارتداداتها إلى كل تركي، وعمّقت الخلافات السياسية في دولة قامت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.

وفي النتيجة، فإن طريقة تعاطي الشعب التركي مع حادثة "الانقلاب" هي نموذج واضح ومباشر، لأكثر السيناريوهات التي تخشاها معظم الأنظمة العربية، وعليه يصعب علينا أن نجزم  بعد التفاعل العربي الكبير مع هذه الحادثة والمؤيدة "لحزب العدالة والتنمية" أن تبقى الشعوب العربية على حالها... بل علينا جميعًا أن نعي أن إرادة الشعوب هي حقيقة راسخة على مر التاريخ ولا يمكن لها تفنى مهما استنزفت.

 

 

 

تعليقات