"نقبض بالسوري والأسعار بالتركي"..سكانٌ بريف حلب الشمالي لـ"السورية.نت" يشكون الواقع الاقتصادي ويأملون انفراجة

سوق مدينة مارع بريف حلب الشمالي التقطت 17يونيو/حزيران 2019 - خاص: السورية.نت
الأربعاء 19 يونيو / حزيران 2019

ثلاثة أشهر قضاها محمود الطويل مع أسرته بعد عودته من تركيا، إلى مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي، لم تكن المنطقة التي يروج لها بـ"الآمنة" كما يشتهي وفق قوله، حيث "أجور المنازل عالية، وفرص العمل قليلة، والأجور المتدنية مقارنة بالأسعار، تجعل من البقاء أمراً صعباً".

يقول محمود في حديثه لـ"السورية.نت"، عن تجربته القصيرة :" عدت من تركيا بسبب الغلاء، وعدم قدرتي على مجاراة مصاريف الحياة، توقعت أن تكون الأمور هنا أفضل، لكن للأسف منذ وصولي وأنا أبحث عن فرصة عمل ولا أجد، والأسعار هنا لا تختلف أبدا عن تركيا، نقبض بالسوري فقط وندفع ثمن المنتج كما هو سعره في تركيا".

رغم مخاطر العودة إلى تركيا من خلال الطرق غير الشرعية، إلا أنّ محمود يفكر جديا بالعودة مرة ثانية متسائلاً:"يدعوننا عبر وسائل الإعلام للعودة دائماً إلى بلدنا، لا يكفي فقط أن تكون المنطقة خالية من القصف لنكون بأمان، فالموت جوعاً هو أيضا أحد أشكال الوفاة".

بطالة

وسط سوق مدينة أعزاز يجلس الشاب الجامعي مروان، مع عدد من أصدقاءه الذين رافقوه في نزوحه من ريف دمشق، ينتظر ذو الثالثة والعشرين عاماً سيارة بيك آب تطلب عمالا للتحميل. مرت ساعات انتظار طويلة قبل أن يحصل مروان على أول فرصة، ورغم أنها قد تكون غير كافية لتأمين قوت يومه مع عائلته، إلا أن مروان يحمد الله أنه لم يرجع خائباً كما تمر عليه بعض الأيام.

حال الكثير من الشبان في الريف الحلبي هذا، بات صعباً كما يوضح مروان، مضيفاً:" جاء الكثير من النازحون إلى هنا، وفرص العمل قليلة كما ترى. باستثناء من لديهم متاجر في السوق، أو من استطاع تأمين وظيفة مع إحدى المنظمات، فإنّ الجميع يعاني لتأمين فرصة عمل".

ويرى الشاب الجامعي أنّ أسباب قلة فرص العمل تعود إلى "كثرة الأيدي العاملة، وعدم وجود المشاريع الاستثمارية بسبب ضبابية الوضع حتى الان، وغياب اتفاق سياسي واضح يمكّن المستثمرين السوريين في الخارج من افتتاح مشاريعهم".

من جهته لا ينكر الصحفي مصطفى محمد، المتواجد في ريف حلب الشمالي، وجود أزمة اقتصادية حقيقية في هذا الريف، لأسبابٍ يعزوها إلى "قلة فرص العمل، وغياب الاستثمار، وتقلبات العملة، والغلاء الفاحش، والنزوح".

ورغم المشاريع الضخمة التي تقوم بها المنظمات والمجالس المحلية بدعم من الحكومة التركية، إلا أنّ "الرواتب التي يتلقاها الموظفون والتي تتراوح بين 600 إلى 700 ليرة تركية لا تساهم بـتأمين حياة كريمة ولا تشجع اللاجئيين على العودة" كما يؤكد الصحفي.

خسائر

"فوق الموت عصة قبر " يستشهد أبو بسام من مدينة الباب لدى سؤالنا عن حال موسمه، ويبرر الرجل الأربعيني حديثه بالقول " كانت تكاليف الزراعة من أجور المواد والعمال هذا العام مرتفعة للغاية، اضطررت للاستدانة على أمل سداد المبلغ وقت الحصاد، لكن النيران أكلت محصولي وآذت الكثير من مُزارعينا هذا العام".

ويعتمد عدد كبير من سكان ريف حلب الشمالي على الزراعة حيث تنتشر حقول القمح والشعير والقطن بشكل كبير، وتشكل مصدر دخل رئيسي للسكان كما انها توفر الكثير من فرص العمل.

في السوق المسقوف في مدينة الباب، حيث تنتشر الكثير من الصناعات التقليدية القديمة، حيث تقاوم بعض المهن الاندثار نتيجة لسوء الأوضاع.

بقي الحاج أبو نواف صامداً داخل دكانه الصغير، الذي تتوسطه القطع النحاسية المتميزة، المزخرفة بالرسوم والنقوش العربية والإسلامية. ورغم تراجع المبيعات كثيراً، وتوقف التصدير والسائحين، إلا أنّ أبو نواف يصر على المحافظة على مهنته التي ورثها عن آبيه وأجداده كما يقول.

بنية تحتية

رغم الوضع الاقتصادي السيئ للأهالي ثمة بعض المشاريع التنموية التي برزت بشكل واضح مؤخراً، لإنعاش المنطقة؛ كان آخرها ايصال التيار الكهربائي إلى المنطقة، وإصلاح الطرقات، وبناء مشافي، ومراكز صحية وتعليمية جديدة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية استطاعت المجالس المحلية في مدن أعزاز والباب ومارع ايصال التيار الكهربائي إلى هذه المناطق، من خلال شركة تركية وأخرى محلية، وهي الخطوة الأولى التي ستنتقل إلى كافة القرى والبلدات المجاورة.

كما تتسارع وتيرة إصلاح الطرقات الرئيسية وتعبيدها خاصة تلك التي تربط بين المدن والقرى، وكان آخرها طريق "أخترين" الذي يربط بين ريفي حلب الشمالي والشرقي .

وضمن مشروع ال GAP التركي (مشروع تنموي أطلقته الحكومة التركية في منطقة جنوب شرق الأناضول) تم قبل أيام قليلة افتتاح حديقة الشعب، وروضتين للأطفال، ومركزا للتدريب المهني والفنون النسوية؛ ووفق مسؤولين محلييّن يشمل المشروع خلال الفترة القادمة قطاعات الري وتوليد الطاقة، ومشاريع الهيدروكهرباء والزراعة والبنية التحتية والتحريج، والتربية والتعليم، والصحة، والتدريب المهني.

التعليم

تعليمياً أيضا تسير الأوضاع في منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" نحو الأفضل خاصة بعد قرار جامعة "غازي عنتاب" الشهر الجاري إنشاء أربع كليات جديدة في مناطق الباب، واعزاز، ومارع، والتي من المقرر أن تركز على الاقتصاد والأعمال والتدريس والهندسة، هذا عدا عن توسيع "جامعة حلب الحرة" وإقامة العديد من الكليات والمعاهد العلمية المتخصصة.

وعلى الصعيد التنظيمي شهدت المنطقة تحسناً ملحوظاً بعد استحداث بطاقات تعريفية للسكان المحليين، في كافة مناطق ريف حلب الشمالي و"درع الفرات"، والزام المجالس المحلية لجميع سائقي المركبات في المنطقة بعملية تسجيلها، هذا بالإضافة إلى افتتاح مدارس سياقة وتخصيص شهادات للقيادة.

وفي مجال البناء تواصل مجالس محلية بالتعاون مع منظمات عديدة منذ بداية العام الحالي مشاريعها لإعادة تأهيل المنازل المتضررة جراء القصف خاصة للعوائل التي تعيلها أنثى أو من كبار السن.

المصدر: 
خاص: السورية.نت