نيويورك تايمز: القوى التي ستحل بدلاً من القوات الأمريكية في سوريا

جنود من الجيش الأمريكي - Getty
الخميس 27 ديسمبر / كانون الأول 2018

خلص تحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن سوريا ستواجه مستقبلاً هشاً ستهيمن عليه روسيا وإيران، لا سيما بعد القرار المفاجئ لدونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، متوقعة أن تسيطر قوات البلدين على المناطق التي ستغادرها أمريكا.

وتحدثت الصحيفة في تحليلها الذي نشرته، أمس الأربعاء، وترجمته "السورية نت" عن المشهد العسكري في سوريا، مشيرةً إلى أنه فيما تتقدم قوات نظام بشار الأسد نحو المناطق التي ستغادرها القوات الأمريكية في سوريا، تهدد تركيا بشن عمل عسكري شرقي الفرات، وفي ذات الوقت تواصل إسرائيل قصفها للميليشيات المدعومة من إيران لإبعادها إلى عمق الداخل السوري.

وبالموازاة مع ذلك قد تتحرك روسيا قريباً لضرب ما تبقى من معاقل أخيرة لقوات المعارضة السورية، وقالت الصحيفة الأمريكية إن هذه التطورات مع قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية تجعل من سوريا "نسخة بلقانية عن البلاد التي هوت إلى حرب مفجعة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه مع الانسحاب الأمريكي والضعف الذي أصاب المعارضة، سيكون لروسيا وإيران حرية التصرف بقواتهما في سوريا.

وقال ريتشارد إن هاس، الدبلوماسي المخضرم ورئيس مجلس العلاقات الأجنبية في تغريدة نشرها يوم الأربعاء الفائت: "غارات إسرائيلية في سوريا، استمرار سعودي بحرب اليمن، تحضير تركيا للهجوم على الأكراد السوريين، الأسد في السلطة، وداعش لم تهزم بتاتاً، إيران توسع من نفوذها الإقليمي، روسيا هي القوة الخارجية الأكثر نفوذاً: أهلاً بكم إلى الشرق الأوسط ما بعد أمريكا".)

نفوذ روسيا وإيران

وذكرت الصحيفة الأمريكية ترجيحات لمحللين عن الشرق الأوسط، قالوا إنه "بعد أعوام من بدء إراقة الدماء بسبب مظاهرات الربيع العربي التي قدمت الأمل للتغيير الديمقراطي، فإن المستقبل السوري الأكثر ترجيحاً أن يكون أكثر هشاشة من الوضع الذي كان ما قبل الحرب: قيادة الأسد لحكومة قمعية تمسك روسيا وإيران بخيوطها".

وعززت كل من روسيا وإيران من نفوذهما في سوريا طيلة فترة إنقاذ الأسد، فطهران تنافس القوى السنية التي تقودها السعودية من أجل بسط النفوذ على المنطقة، وقد أرسلت عشرات الآلاف من المقاتليين الإيرانيين والوكلاء إلى سوريا، كما أنها تبني المزارات الشيعية، وتقوي الميليشيات الشيعية التي تأمل استخدامها ضد إسرائيل.

كذلك روسيا التي دعمت الأسد سياسياً وعسكريا، تسيطر على سياسة النظام الخارجية، وعلى جيشه وفروعه الأمنية، وهذا جزء من الثمن الذي انتزعته موسكو لقاء حماية الأسد.

وعلى الرغم من أنهما قد تجدان البقاء في سوريا مكلفاً، ومحبطاً وغير شعبياً داخل بلادهما، إلا أن روسيا وإيران تمكنتا من تأمين أفضلية لبقائهما أكثر من الولايات المتحدة، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وبالنسبة لكلا البلدين، يعد هذا "السيناريو الحلم" حسبما قال دانيال بينايم، الباحث المختص بالشرق الأوسط في مركز التقدم الأمريكي، وهو مجموعة بحثية ليبرالية في واشنطن، مضيفاً: "سيكون بإمكانهم أن يحكوا ما كانوا يقولونه لكل الأطراف على الأرض – أصدقاء وأعداء أمريكا – عن أن واشنطن لا تعد حليفاً موثوقاً في الشرق الأوسط".

مواجهات محتملة

ويفتح الانسحاب الأمريكي من سوريا الباب أمام احتمالات لاندلاع مواجهات جديدة، فمن جهة تشير تقديرات إلى وجود كبير لمقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا، ويتوقع العديد من الخبراء أن الانسحاب الأمريكي المتعجل قد يؤدي لإثارة معركة كبيرة أخرى، فإما أن تركيا ستتحرك لسحق خصومها في "الوحدات الكردية"، أو ستستعيد قوات الأسد الشمال الشرقي لسوريا، أو كلا الأمرين سيتحققان، وفقاً لـ"نيويورك تايمز".

ومن الممكن أن يتوصل الأكراد والأسد إلى اتفاق أولاً، وفي حال لم يحدث ذلك، من الممكن أن تؤدي جولة أخرى من القتال لإرسال موجات جديدة من اللاجئين – الأكراد وغيرهم – هاربين عبر العراق في جولة جديدة من الفوضى التي يمكن أن تساعد أيضاً على عودة "تنظيم الدولة".

وقال آرون لوند، المحلل المختص بشأن سوريا والباحث في مؤسسة القرن، وهي مؤسسة بحثية: "إن ذلك محتمل بالطبع، المخاطرة بالفوضى التامة. حينما يختفي فجأة الذي كان يبقي على استقرار الوضع – دون أن يكون جيداً أو سيئاً، مستقر وحسب"، وفق قوله.

من سيأخذ الأراضي التي سيخليها الأمريكيون؟

وفقاً لمؤسسة دراسة الحرب، فإن المناطق التي ستغادرها أمريكا قد تقع بيد روسيا وإيران والميليشيات المدعومة من قبل إيران بما فيها "حزب الله"، والمتمركزة بشكل جيد للحيازة على المناطق في شمال شرقي سوريا، فهم يحتلون قرابة 29 موقعاً وفقاً للمؤسسة، وسبع أخرى على طول الحدود مع العراق.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم الأحد الفائت، إن نظام الأسد أرسل آلافاً من المقاتلين تجاه التجمعات الأخيرة لـ"تنظيم الدولة" إلى المناطق الشرقية الشمالية.

كذلك يقول المحللون إنه بإمكان إيران الآن وصل الحلفاء الشيعة في العراق وسوريا ولبنان بجبهة موحدة ضد إسرائيل في سوريا، وهنالك حيث تهدف إيران و"حزب الله" لتقوية الوجود العسكري قرب مرتفعات الجولان، التي ضمتها إسرائيل بعد أن حازت عليها في حرب عام 1967.

وأوضحت إسرائيل أنها لن تتسامح مع أي تهديد متزايد من سوريا، وهو ما برهنه الإسرائيليون يوم الثلاثاء الفائت بغارات جوية استهدفت مواقع لنظام قرب دمشق.

والروس الذين يملكون علاقات جيدة مع إسرائيل، سمحوا ضمنياً لها بإجراء عمليات كتلك في الماضي. ولكن اعترض الكرملين يوم الأربعاء الماضي على ما دعاه بـ"اعتداء إسرائيل المقيت على السيادة السورية".

كيف تقوم إيران بتغيير سوريا؟

أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن التحالف الشيعي الذي تقوده إيران في سوريا يواجه عيباً أساسياً، وهو "القليل من الشيعة في بلد ذي أغلبية سنية. ومع هذا وسعت إيران من نفوذها بين كل من المقاتلين السوريين والمدنيين".

وفي بعض أجزاء سوريا، وزعت إيران أموالاً لإسكان الناس النازحين بسبب الحرب، وفي أماكن أخرى أقامت مزارات شيعية جذبت زواراً من إيران والعراق وسوريا.

ومتحدية توزع الطوائف القديم، قامت كل من إيران و"حزب الله" بصبغ أجزاء من البلاد بصبغة دينية لافتة للنظر. فعلى سبيل المثال، كان من النادر في الماضي رؤية احتفالات بعاشوراء (العيد الشيعي الكبير) في المناطق غير الشيعية من دمشق. ولكن الآن تتم رؤية مواكب وطقوس عاشوراء بوضوح أكبر.

وفي مسعى منها لتقوية نفوذها العسكري، تمنح إيران المقاتلين في الجماعات المدعومة من قبلها مبالغ أفضل وأيام أكثر مما يعرضه جيش النظام، والانضمام إلى الميليشيات الشيعية لا يعني بالضرورة التحول إلى المذهب الشيعي. ولكنه تحول ملحوظ عن الطرق القديمة.

وقال علي رزق، المحلل المتمركز في بيروت والذي يكتب عن إيران: "لم يعد الأمر طائفياً بحتاً". وأضاف: "إن إيران وحزب الله نشروا إيمانهم الشيعي بين بعض القوات السورية. إن ذلك من الطبيعية البشرية – بعد كل شيء، هذه الوحدات كانت تنسق مع بعضها البعض، تقاتل جنباً إلى جنب".

ورسخت روسيا صلاتها بالقادة السوريين، مقوية من علاقاتها مع تركيا، ومتفوقة على الولايات المتحدة بكونها القوة التي يمكن التعامل معها في الشرق الأوسط.

وقالت "نيويورك تايمز" إن "الروس قدموا أيضاً فهماً حكيماً للحساسيات السورية"، "فعلى سبيل المثال قاموا بتوزيع الشرطة من قوات الجيش الآتية من منطقة الشيشان الروسية ذات الأغلبية المسلمة السنية للتفاوض على سحب الثوار والحفاظ على السلم في المناطق السنية التي استعادها جانب الأسد".

وفي المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، هنالك تفضيل للقوات الروسية على قوات الأمن التابعة للنظام، أو عناصر الميليشيات الشيعية المدعومين من إيران، وأحد أسباب ذلك أن "الروس لا اهتمام لديهم بتغذية الخلافات السنية الشيعية".

هل قد تختلف روسيا وإيران حول مستقبل سوريا؟

في إجابتها على هذا السؤال، نقلت "نيويورك تايمز" عن محللين قولهم إن إيران وروسيا متنافستان فعلاً، فموسكو ترغب بحكومة قادرة على دعم نفسها، وقوات تشبه الجيش الروسي، في حين أن إيران تفضل حكماً أضعف في دمشق. وقال جوست هيلتيرمان مدير برنامج الشرق الأوسط لمجموعة الأزمة الدولية: "بدأ كل من البلدين بوضع مستشارين في الوكالات الأمنية السورية".

وأضاف: "رغم ذلك يواجه كلاهما الصعوبات للبقاء في سوريا. فهما عاجزان عن تحمل تكلفة إعادة إعمار سوريا، التي تفوق ببعض التقديرات كلفة 200 مليار دولار، الروس يريدون إيجاد مخرج من سوريا بشكل أساسي، والمحافظة عسكرياً على قاعدتهم وطواقمهم ضمن الأجهزة الأمنية، ومساعدة الشركات الروسية بإعادة الإعمار".

وواجهت الحكومة الإيرانية معارضة لمغامراتها العسكرية في سوريا داخلياً، حيث يتعرض الاقتصاد لضغط كبير بسبب العقوبات الأمريكية، وقال دانيل بليكتا، نائب رئيس الدراسات السياسة الأجنبية والدفاعية في مؤسسة المشاريع الأمريكية، وهي مجموعة بحثية محافظة في واشنطن، إن "الإيرانيين قد مارسوا السلطة ببراعة في سوريا، ولكن سيصعب عليهم الاستمرار بالقيام بهذا نظراً للضغط الاقتصادي الذي يعانون منه".

وختمت "نيويورك تايمز" تحليلها بما نقلته عن ألكسندر بيك، المحاضر والباحث في جامعة جونز هوبكينز للدراسات الدولية، حيث قال: "الروس واعون تماماً أن موقف الأسد هش، وأن الاقتصاد مدمر تماماً، وأن الوضع سياسياً عبارة عن فوضى".

اقرأ أيضاً: الدول العربية والأسد.. 4 مواقف من النظام بعد 8 سنوات من القمع

المصدر: 
السورية نت