هجرة السوريين.. العبث بالديمغرافيا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/9/2015
العرب القطرية

استمعت إلى شابة سورية، وهي تروي قصة هجرتها وأخيها من دمشق إلى النمسا. قالت إن الرحلة بدأت من العاصمة دمشق، حيث تم الاتفاق مع 54 راكبا أخذوا في حافلة وصولا إلى البحر، ومن ثم ركوب قارب مطاطي، إلى آخر الحكاية.
ما يعنينا في القصة ليس البعد المأساوي فيها، فالقصص على هذا الصعيد لا تحصى، وإنما البعد المتعلق بموقف النظام مما يجري، ذلك أن أحدا لا يمكنه ترتيب اتفاق مع الناس، والمتاجرة بتهجير البشر على هذا النحو، ومن قلب العاصمة وصولا إلى البحر من دون علم النظام، ما يعني أنه متواطئ تماما في اللعبة.
وإذا تذكرنا مفاوضات الزبداني، والعروض الإيرانية التي كانت تفوح منها رائحة التطهير الطائفي، فسنتأكد أننا إزاء عملية عبث مقصودة بالديمغرافيا السورية.

يحدث ذلك الآن، وفي ظل حديث يومي عن الحل السياسي، وصولا إلى قول بوتن إن بشار يقبل بالانتخابات، وعموم أطروحات الحل السياسي التي تنتهي غالبا بمقولة الانتخابات.
ما الذي جرى لكي تتفاقم مشكلة اللاجئين، على هذا النحو خلال الشهور الأخيرة تحديدا؟ لقد يئس النظام تماما من الحل العسكري، وصار أمام مسارين اثنين: إما الذهاب نحو الدويلة العلوية، ما يعني أنه بحاجة إلى عمليات تطهير طائفي، أو أنه سيضغط في كل اتجاه، وفي سياق من التخويف من «الإرهاب»، وصولا إلى حل سياسي يبقي بشار الأسد، وهنا أيضا سينتهي إلى انتخابات، ما يعني الحاجة إلى تغييرات ديمغرافية تجعل نتيجتها كما يريد النظام وداعموه.

الملايين الذين هُجّروا إلى الآن، هم في غالبيتهم الساحقة من السنّة، فيما لا يعثر على شيء مماثل في أوساط العلويين، ولا حتى الأقليات الأخرى، ربما باستثناء الأكراد، الذين هم سنّة أيضا، وإن ذهب بعض قادتهم إلى جعل أنفسهم لونا مختلفا.
وإذا مضت لعبة التهجير على هذا النسق، فإن أية انتخابات قد تفضي إلى نتيجة يريدها النظام وداعموه، لاسيَّما الجانب المتعلق بالرئيس الذي سيكون ممثل العلويين والأقليات وحيدا، بينما سيتصارع الآخرون من الغالبية على المنصب.
ربما من المبكر الحديث عن تسوية وانتخابات، لكن المؤكد أن ما يجري ليس بريئا بحال، وهو جزء من العبث بالديمغرافيا السورية، وقد شهدنا شيئا مماثلا في العراق، حيث مورست عمليات تطهير عرقي في مناطق كثيرة، بخاصة المختلطة مثل البصرة وبغداد وديالى، ربما تحسبا للتقسيم، وأقله الفيدرالية.
هي إيران التي تعبث بكل شيء، ولديها القابلية لمزيد من العبث والإجرام من أجل أن تواصل مشروعها التوسعي المجنون، بما في ذلك دفع أقلية صغيرة في اليمن إلى احتلال البلد برمته، ومن ثم إحياء المذهبية الزيدية، وكل ذلك في سياق من التلاعب بالأوضاع الداخلية؛ هنا وفي الدول العربية، وقد يمتد ذلك إلى عدد من دول الخليج، وبعض النشاط الإيراني سافر ومفضوح على هذا الصعيد.

إنه العبث وتدمير التعايش في المنطقة لحساب مشروع تمدد مجنون، وفي حين كان الربيع العربي بشارة أمل بإعلاء قيمة المواطنة بصرف النظر عن الدين والعرق، قامت إيران بتوجيه ضربة قاصمة في سوريا، وأشعلت حريقا مذهبيا يطال شرره المنطقة برمتها.
مع ذلك، لن يكون ثمة خيار غير التعايش في نهاية المطاف، لأن طرفا لن يبيد الآخر، لكن ذلك لن يمر إلا عبر كسر الغطرسة الإيرانية، وهي تنكسر الآن في اليمن وسوريا، وحتى في العراق، وصولا إلى لبنان، حتى لو طالت المعركة بعض الشيء.
لن تعلن الأقلية الحرب على أغلبية لها تراثها في النضال والمقاومة، ثم تربحها، وسيدرك محافظو إيران ذلك، إذا لم يكونوا قد أدركوه إلى الآن.

تعليقات