هجمات «الأسد» ومواقف البيت الأبيض!

صورة تروي روبن

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

01/ 05/ 2014
الاتحاد
المؤلف: 

هناك أدلة متزايدة على أن النظام السوري استعمل غازات سامة ضد المدنيين من جديد، حيث يرسل طائرات هيلكوبتر تلقي براميل متفجرة مملوءة بعلب الكلورين على النساء والأطفال. ويذكر أن غاز الكلورين، والذي تم استعماله خلال الحرب العالمية الأولى وكان له تأثير وحشي، يتحول إلى حامض الهيدروكلوريك في الرئتين، ما قد يؤدي إلى احتراق داخلي وموت سريع. ولكن الغاز لم يكن على قائمة الأسلحة الكيماوية المحظورة بموجب الاتفاق الأميركي الروسي لعام 2013 حول الأسلحة الكيماوية السورية. وعليه، فمن الواضح أن الرئيس السوري بشار الأسد يسخر من البيت الأبيض، رغم الأزمة الإنسانية الكبيرة التي سبّبها لسوريا. ومن الواضح أيضاً أن البيت الأبيض يفتقر إلى سياسة واضحة للرد.

«لقد أضحت سوريا اليوم أكبر أزمة إنسانية وأمنية تواجه العالم»، يقول أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون. فمن أصل سكانها الـ21 مليون نسمة، قُتل أكثر من 150 ألف شخص وفر قرابة ثلاثة ملايين آخرين إلى البلدان المجاورة، وهو ما يشكل تهديداً لاستقرار العراق ولبنان والأردن. هذا فيما يُعتبر 6 ملايين شخص آخرين في سوريا نازحين أو بحاجة ماسة للمساعدة، وفق تقديرات الأمم المتحدة، من بينهم 3٫5 مليون عالقون وسط قتال شرس.

وفي هذه الأثناء، مازال البيت الأبيض يروّج لاتفاق الأسلحة الكيماوية باعتباره إنجازاً كبيراً. فتحت الضغط، قام الأسد بتدمير أو تسليم 84 في المئة من ترسانته المعلَنة من غاز السارين للمفتشين الدوليين. والحال أن السارين قتل بضع مئات من الأشخاص فقط، بينما قضى 40 ألف شخص آخرين جراء القنابل وقذائف الهاون والرصاص منذ اتفاق الأسلحة الكيماوية، وذلك لأن الاتفاق لم يفعل شيئاً لوقف أعمال القتل التي ترتكب بواسطة الأسلحة التقليدية. ويبدو أنه لم يوقف استعمال الغازات السامة أيضاً.

ديفيد ميليباند، رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، التي تُعد واحدة من أنشط وكالات المساعدة التي تساعد السوريين داخل بلادهم وخارجها، يقول: «إن حجم جرائم الحرب والنزوح وتزعزع الاستقرار الإقليمي، كلها أمور تمثل حالة طوارئ إنسانية كبيرة في هذا القرن»، مضيفاً: «إن استعمال الأسلحة الكيماوية وانتهاك القانون الدولي وإلقاء البراميل المتفجرة على المدن، تمثل تطورات لافتة جداً، وبالتالي فإنه لا يمكننا القول إننا لا نعرف ما يجري».

إحباط «ميليباند»، وعلى غرار إحباط «مون»، واضح لأن رد المجتمع الدولي لا يتناسب وحجم الأزمة، حيث قال لي: «هناك تخدير للأحاسيس بخصوص هذا الموضوع والانتهاكات لا تزداد إلا سوءاً». وهو يخشى أن «الرد العرضي» للمجتمع الدولي يمثل «وصفة لارتكاب مزيد من أعمال القتل على نطاق واسع». وذلك مرده بالأساس إلى حقيقة أن المشكلة الإنسانية باتت رهينة الحسابات الجيوسياسية للنزاع السوري. فقبل شهرين، مرر مجلس الأمن الدولي قراراً بالإجماع يطالب الأطراف المتناحرة في سوريا بالسماح بوصول المساعدات إلى المدنيين. لكن الروس، الذين يدعمون الأسد، حرصوا على أن لا تكون لهذا القرار أي قوة تضمن تنفيذه، وإن كانت الدول الغربية هددت بالتحرك في حال عدم امتثال الأسد.

غير أنه الآن حانت لحظة الحقيقة. فهذا الأسبوع، من المقرر أن يبحث مجلس الأمن مدى امتثال الأطراف للقرار؛ لكن تقييماً أممياً مسرباً يشير إلى أنه مثّل فشلاً ذريعاً، حيث ما انفكت الحكومة السورية تقصف الأحياء المدنية ومخازن الحبوب، وتحول دون مرور المواد الطبية الأساسية واللقاحات. وفي البلدات المحاصَرة، اضطر السكان لأكل الأعشاب وأوراق الشجر، كما ظهر شلل الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار.

ويقول التقرير: «يجب على مجلس الأمن أن يتخذ إجراءات للتعاطي مع الانتهاكات السافرة»، لكننا نعلم أن روسيا ستعرقل أي خطوة ضد الأسد.

والواقع أن ثمة العديد من الأفكار الجيدة حول سبل إيصال مزيد من المساعدات إلى المدنيين السوريين. وفي هذا السياق، يقترح ميليباند، وهو وزير خارجية بريطاني سابق، أفكاراً من قبيل إرسال مزيد من المساعدات عبر الحدود التركية أو العراقية إلى المحتاجين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، رغم شكاوى سوريا من أن ذلك ينتهك سيادتها، والتشديد على ضرورة الوصول إلى المناطق التي تحاصرها الحكومة -وفي بعض الحالات- الميليشيات الإسلامية المحسوبة على الثوار.

غير أنه لا شيء من ذلك سيحدث إلا إذا اقتنع الأسد وداعموه الروس بأن لا خيار لديهم غير الموافقة. وهذا يتطلب قرارات مازال الرئيس الأميركي باراك أوباما يرفض اتخاذها. ففي هذا الشهر، كرر وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لدى مثوله أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ، لازمة الإدارة الأميركية المتمثلة في أن الحرب السورية لا يمكن حلها إلا عبر الحل الدبلوماسي، حيث قال: «إن اللحظة ليست مناسبة لأنه مازال يتعين علينا تغيير حسابات الأسد». وعندما سُئل حول كيفية القيام بذلك، قال إنه لن يتحدث حول ذلك إلا في جلسة مغلقة. ثم أضاف: «إننا نتحدث حول ذلك.. وبالطبع نحن نناقشه». أما الفكرة التي ما زالت قيد النقاش، فهي ما إن كان ينبغي مساعدة الثوار السوريين الذين يتم التحقق من اعتدالهم بأسلحة ثقيلة من قبيل الصواريخ المضادة للطائرات التي يمكن أن تُسقط طائرات الهيلكوبتر التي تلقي غاز الكلورين. والحال أن هذا النقاش بدأ منذ عامين عندما زاحم المقاتلون الإسلاميون المسلحون والممولون بشكل جيد الثوارَ المعتدلين وطغوا على المشهد.

والواقع أن مثل تلك الخطوة قد تغيِّر حسابات الأسد، لكن البيت الأبيض مازال متردداً. وفي هذه الأثناء، تفيد تقارير بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» شرعت في منح بعض الثوار الذين تتحقق منهم أسلحةً مضادةً للدبابات وتدرب بضع مئات منهم في الأردن، والحال أنه بهذه الوتيرة لن يشعر الأسد بالضغط لقبول حل دبلوماسي. بل سيشعر بحرية الاستمرار في قتل المدنيين السوريين بالغاز، رغم كل ما يبديه البيت الأبيض من مواقف بشأن الأسلحة الكيماوية.