هدنة الوعر... رسائل ومضامين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/12/2015
السورية نت
المؤلف: 

بعد عامان من الحصار المحكم وانقطاع أسباب العيش والاستمرار والصمود في حي الوعر، آخر الأحياء الثائرة في حمص والخارجة عن سيطرة النظام، أتت الهدنة معلنة نقل الثوار المسلحين وعائلاتهم إلى أماكن خارج عاصمة الثورة، لتصبح المدينة مهيأة بأكملها لسيطرة النظام، ولتعيد بذات الوقت هذه الهدنة في مضامين رسائلها حقائق ومعطيات سياسية لا يمكن تجاهل أثرها على سير العملية السياسية في الملف السوري.

لعل إعادة تفكيك خيوط المشهد العام (رغم وضوحه) يفيد في التخفيف من إطلاق الأحكام المستعجلة من جهة، وتجعلنا ندرك من جهة أخرى المناخ الذي أفضى إليه هذا الاتفاق، فبداية يمكن الاستدلال على حتمية تدمير ما تبقى من حمص (تراث وحاضر في آن واحد) من أخبار التقدم العسكري لقوات الأسد المدعومة بميلشيات العهر والخزي الطائفية وسقوط معظم أحياء حمص وأكثر من 100 ألف شهيد، كما يمكننا في سياق متصل أن نسجل في سفر البطولة والفداء أن ثوار أحفاد خالد بن الوليد المرابطين في حمص القديمة لم يقصروا في تقديم كل ما يتطلبه أسباب النصر من ثبات وصمود ومواجهة وتحمل خسائر لا تطاق، إن صموده في وجه ما انصبّ عليه من قذائف حاقدة وصواريخ تترية صهيونازية لهو الشرف بعينه، وسيبقى محفوراً في كل حي ورصيف..

إذاً وبعد سجال ومفاوضات طويلة شهدت جذباً وتباعداً عدة مرات بين الأطراف المعنية أبرم النظام وقوى المعارضة الموجودة في الحي هدنةً، تنفذ على ثلاثة مراحل، تشمل الأولى عدة نقاط أهمها وقف اطلاق النار و العمليات بشكل كامل و خروج الراغبين مع سلاحهم ( المعطلين و الرافضين للاتفاق ) والسماح بالعمل للجان الإغاثية، وتبدأ المرحلة الثانية بجمع السلاح المصرح عنه تحت إشراف بعض اللجان المتفق عليها، وإعادة تفعيل المؤسسات العامة وتقديم مخطط بالأنفاق و الألغام بالوعر وعودة الأهالي المهجرين و النازحين إلى الوعر و اطلاق سراح بعض المعتقلين وتسليم السلاح المتوسط، أما المرحلة الثالثة فستشمل  خروج دفعة من الراغبين بالخروج إلى شمال سوريا وتسليم القسم المتبقي من السلاح المتوسط "للدولة"

لعل أولى المعطيات التي يجب تثبيتها في هذا السياق أن وفد الحي الممثل عن مختلف الفصائل والتجمعات المتواجدة في حي الوعر جابه وخاض بمفرده العملية التفاوضية شأنه شأن باقي المناطق المهادنة وهذا إن دل فإنه يؤكد على استمرار فشل مؤسسات المعارضة الرسمية وعلى رأسها الائتلاف الوطني بمؤازرة لجنة الحي سواءً عن طريق ممارسة الضغط على النظام في أقنية وأروقة الدبلوماسية الدولية أو عبر التواصل مع اللجنة والبحث معها في سبل وحيثيات التفاوض، والعمل مع فريق ديسمتورا (وسيط الهدنة) للعمل على تحسين شروط ثوار الحي.

وبذات السياق كانت الهدنة عنواناً فاضحاً للابتزاز الإنساني، ابتزاز مارسه النظام والمجتمع الدولي بذات السوية والعمق، فالأول طوع الغذاء والدفء للضغط على حاضنة الثوار التي استنفدت كل مقومات الصمود في سبيل جر الحي لهدنة يعلن فيها للمجتمع الدولي مقدار "تسامحه وحرصه على المواطنين"، والثاني ساهم بصمته وعجزه وتقاعسه في ازدياد مأساة الحي، فدائماً كان يبحث عن دينامية محلية يسوقها كنقطة للحل ووجد ضالته من بين جميع الأدوات التي يقدر على تفعيلها بالهدن، وهذا ليس إلا انعكاساً لمفهوم "إدارة الأزمة" بالمفهوم الدولي الذي لا يستعجل في حلحلة عقد هذا المشهد طالما أن مفرزات المشهد السوري السائلة مضبوطة ضمن حدوده، وجغرافيته مرتع يتقاتل عليه جل الفاعلين  عبر الأذرع.   

مما لا شك فيه يعمد نظام الأسد إلى عقد هدن في مناطق مهمة من الناحية الجيوسياسية والأمنية (كالوعر) منطلقاً من عدة دوافع عسكرية وأمنية، إذ يشكل البعد العسكري محدداً أساساً في عقد أي هدنة، ولعل أهم الدوافع العسكرية هو عدم القدرة على الحسم، وأحياناً يكون دليل ضعفٍ واعتراف صريح بعجز النظام عن استعادة بعض المناطق التي خسرها أو حتى إدارتها، فالنظام قد فقد جزءاً كبيراً من قواه العسكرية وموارده البشرية ويحاول أن يوجه المتبقي منها باتجاه معاركه الأساسية في مناطق تشهد نزيفاً مستمراً ويحتاج لنصر فيها يمنع سيولة  تقهقهره، وبالتالي اعتمد النظام على مفهوم الاستفراد بكل منطقة على حدة، حتى يتسنى له أن يحول الحاضنة الشعبية للثورة والمناطق الثائرة إلى مجرد (كانتونات) فيبدأ باتفاقات مجزأة وتلبية مطالب منطقة دون أخرى، مقدماً مغريات مقابل سكوت وانسحاب ولو إعلامي من مشهد الحراك الثوري، كي يتسنى له التفرد بمناطق تشكل عمقاً ثورياً ومركز قوة في إطار العمل العسكري المعارض، كما تشكل الهدنة مناخاً مواتياً للاختراق الأمني ويدرك النظام بأن إدارة الملف تحتاج إلى معلومات أمنية تتعلق بأشخاص وجماعات وتحركات ضمن النسق المعارض، كون مجريات الصراع حولت تلك المناطق إلى مناطق معتمة من الناحية الأمنية، حيث عملت قوى المعارضة العسكرية على تحصين جبهتها الداخلية وتطهيرها من العناصر الأمنية التابعة للنظام.

ومن جهة أخرى يحيلنا هذا الاتفاق إلى النظر لقضايا الاتفاق المحلي ضمن المشهد العام لمسار العملية السياسية الذي فرض على السوريين إطاراً عاماً للحل ضمن فيينا وحصره بأولوية مكافحة الإرهاب فقط، إذ يجهد النظام المنتشي بنتائج التدخل العسكري الروسي  في العمل على تمتين سياسة محلية تفرض  قوتها على أجواء التفاوض المزمع انطلاقها في مطلع العام القادم، ليتسنى له المزيد من المكاسب السياسية من منطلق أن صاحب السيطرة له الكلمة الفصل، إذ تقوم هذه السياسة على جملة أدوات أهمها الهدن في مناطق سورية المفيدة إذ يرشح بعد اتفاق الوعر والزبداني أن تنطلق عمليات أكثر جدية في هدنة الغوطتين وهدنة الجبهة الجنوبية، وسيضمن بذلك تصدير عودة مؤسسات الدولة عبر " الخدمة المنظمة" في السياق السياسي ضمن العملية السياسية، بينما تكفل الطائرات الروسية والميليشيات الشيعية المزيد من الاضرار بالبنية السورية في الشمال السوري الذي تعتري جبهاته مستويات متعددة في الصراع، إذ يجابه الثوار وبعدة جبهات فصائل ومجموعات ذات خطاب عابر للحدود السورية سواء على المستوى الديني أو على المستوى القومي، كما يرابط على جبهات متعددة لمنع تقدم ميشيات حزب الله والأفغان والعراقيين والشبيحة، ويتصدى بكل بسالة للضربات المحتل الروسي.

تبقى الرسالة الأقوى من هدنة الوعر وما حملته من انتكاسات معينة على المستوى الثوري أن يعي جل الفاعلين الثوريين ورغم كل الأسباب الموضوعية والذاتية المعرقلة لضرورة الاتساق والانسجام البيني والعمل على استراتيجية عسكرية وسياسية متكاملة الغايات، واتباع استراتيجيات موحدة في التفاوض المحلي تتيح لفرق التفاوض المحلية جملة خيارات تحسن من شروطهم التفاوضية.

تعليقات