هزيمة «داعش» ومخاطر التمهيد لـ «داعش» آخر

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/7/2017
العرب القطرية

مرّ أحد عشر عاماً على غزو العراق واحتلاله قبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وانتشاره، وقد حفلت تلك الفترة بكل المقدّمات التي مهّدت لهذا التنظيم ومكّنته، من تهوّرات سلطة الاحتلال الأميركي، إلى انتهازيات التدخّل الإيراني، إلى نزوات النظام العراقي وأخطائه. إذ لم يهجس أي من الأطراف الثلاثة بالشروط الطبيعية لإنهاض الدولة أو بمتطلّبات التعايش بين مكوّنات المجتمع. اهتمّ المحتلّ الأميركي بالمصالح التي جاء من أجلها، بمعزل عن مصلحة العراق وأهله ومحيطه العربي. واندفع الدخيل الإيراني إلى تنفيذ خطّة الإمساك بمفاصل الدولة، ملتقياً موضوعياً مع المحتلّ الذي ما لبث أن انسحب تاركاً المسرح لعبث الدخيل. أما النظام الناشئ فلم يتصرّف على أنه مسؤول عن البلد، بل انساق إلى وضعية الطرف المشارك للمحتلّ والدخيل في استلاب العراق ومواصلة إضعافه وانكفائه.

استغرق انتشار «داعش» في العراق وسوريا وسيطرته على ربوع «دولته» المزعومة أقلّ من شهرين، فيما لزم بلوغ بداية هزيمته ثلاثة أعوام وأكثر. وإذا كان استفاد من ظروف الصراع المسلّح داخل سوريا ليتمدّد أكثر، فإن التعنّت الاستبدادي وخضوع حكومة بغداد آنذاك للأجندة الإيرانية برّرا ظهوره، وفتحا أمامه الطرق والثكن وسبل الاستحواذ على ميزات استراتيجية باحتلال مدن عريقة. لم تتوصّل أي أبحاث أو تحقيقات أو تقارير استخبارية إلى تفسير هذه الظاهرة بأسباب ودوافع محدّدة. لم تُبَرَّز «الأخطاء» التي تعمّدها المحتلّ والدخيل وأتباعهما، بل عمّ التبسيط الذي يربطها بتيار التطرّف والعنف والإرهاب المتنكّرة بقناع إسلامي. كان ولا يزال مطلوباً التوقّف عند الممارسات الوحشية المتلفزة لهذا التنظيم للحُكم عليه وتبرير إبادته، ولم يكن مقبولاً ولا مُستحسناً البحث عمَّن صنعه ووظّفه واستغلّه أو مَن يستعدّ الآن لالتقاط فلوله بغية إعادة إنتاجها في ظاهرة أشد تطرّفاً.

كان بين الشروط الأساسية لعودة الولايات المتحدة إلى العراق من أجل محاربة «داعش» أن تعمل حكومة بغداد على مستويات سياسية واجتماعية وتنموية لضمان مكافحة التطرّف، بموازاة الجهود العسكرية والأمنية لضرب الإرهاب. وفي بياناته الأولى، بدءاً من أواخر يوليو 2014 أوضح رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي وجوب التركيز على البيئة السكانية التي تعاني من وجود «داعش» والتعويل عليها في محاربته. لكن هذا الرهان الذي بدا منطقياً وحاسماً في تلك اللحظة لم يُراعَ إطلاقاً في أيٍّ من معارك «التحرير»، لأن القوى العراقية على الأرض، خصوصاً ميليشيات «الحشد الشعبي»، حالت دون تنفيذه، حتى في أبسط الواجبات المتعلّقة بإغاثة النازحين وإيوائهم فيما يفترض أنه وطنهم. بل إن التنكيل والانتهاكات الإنسانية وعمليات الخطف والتعذيب والإعدامات الميدانية خلصت إلى نتيجة عكسية تماماً لما كان متوقّعاً.

ترافقت الوقائع الأخيرة من معركة الموصل بأنباء عن اتصالات بين «داعش» و»القاعدة»، تنظيمه الأم، وشيوع تحليلات عن عملهما المستقبلي. لكن ها هو الجنرال ستيفن تانسند القائد الأميركي للمعركة، يحذّر من ظهور نسخة جديدة من «داعش» ويحضّ الحكومة العراقية على «التواصل مع العراقيين السنّة» لإحباط خطر كهذا. وهذه توصية عادية وبديهية لكنها تتجاهل أن حكومة بغداد لم تسهّل عودة النازحين إلى أيٍّ من المدن «المحرّرة» ولم تنفّذ خططاً موضوعة لتوفير الخدمات الضرورية لتمكينهم من استئناف حياتهم فيها. أما «التواصل» المنشود فيشهد عليه عجز الحكومة عن تأمين «مؤتمر القوى السنّية»، ما أوجب تأجيله.;

تعليقات