هـل تضحـي إيـران بالـمالـكـي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/ 06/ 2014
جريدة الدستور

لا أحد من الشرق أو الغرب يريد مزيدا من تمدد “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، لكن الجميع يدركون أن تقدمها ليس سوى نتاجا لحالة الحشد الطائفي في المنطقة، والذي لا يختلف عاقلان على أن بطش النظام في سوريا، وطائفية نوري المالكي هما محركاه الأساسيان، وكلاهما نتاج غطرسة إيران في المنطقة بعد أن اعتقدت أن بوسعها التمدد كما تشاء في مواجهة أنظمة جعلت أولويتها مطاردة ربيع العرب والإسلام السياسي؛ ما أشغلها عن مواجهة التمدد الإيراني، ليس في سوريا والعراق ولبنان وحسب، بل في مناطق أخرى مثل اليمن.

لم يكن المالكي ولا حتى الاحتلال الأميركي هو الذي واجه تنظيم الدولة في العراق قبل سنوات، وتمكن من تحجيمه بقدر لا بأس به، بل كانت “الصحوات” التي أنتجتها لعبة البيع والشراء التي يجيدها المالكي مستثمرا أخطاء التنظيم في التعاطي مع العشائر والقوى السياسية، إلى جانب آمال البعض في الحصول على شيء مذكور من العملية السياسية.
ولو حصل العرب السنّة على حياة كريمة في ظل حكومة وطنية، لما عادوا إلى تنظيم الدولة من جديد .والحال أن العرب السنة لم يكونوا وحدهم في ميدان الهجاء للمالكي وسلوكه السياسي، بل شمل قوىً شيعية أيضا، وما كان يقوله مقتدى الصدر عنه مثلا؛ كان أقوى بكثير من تصريحات رموز السياسة في المعسكر العربي السنّي، والسبب كما يعلم الجميع أنه دكتاتور وفاسد في آن، فقد أثرى هو ومن حوله من أموال الشعب العراقي، وأداروا أكبر عملية نهب، ربما في التاريخ البشري، ومن خلال ذلك كانوا يمارسون البيع والشراء لتأكيد سلطتهم، مع استخدام الحشد الطائفي في سياق من جمع الشيعة من حولهم.

كان بوسع إيران أن تستجيب لنداء جميع القوى وتدعم فكرة المجيء بشخصية شيعية مقبولة للحكم، لكن غرور القوة كان يقنعها بأن بوسعها فرض من تشاء، وأن أي تراجع منها سيُفهم على أنه مزاج ضعف، فاستمرت في دعم دكتاتورية الرجل، وذلك هو ما يفسِّر قول مقتدى الصدر مثلا إن قاسم سليماني (قائد فيلق القدس ومسؤول الملف الخارجي في النظام الإيراني) هو الذي يحكم العراق عمليا.
كان العراق يُدار كمقاطعة إيرانية من جهة، ومن جهة أخرى كعامل إسناد للمعركة الناشبة في سوريا، والتي تراها طهران بمثابة تهديد لركن إستراتيجي من أركان تمددها في المنطقة، وكان دوره مشهودا للأمانة؛ ماليا ونفطيا ولوجستيا (بل ومقاتلين أيضا)، ولعل ذلك هو ما منحه القيمة الكبرى عند إيران، ودفعها إلى الإصرار على بقائه.

والنتيجة أن المالكي كان عنصرا حيويا في مشروع التمدد الإيراني أكثر منه مصلحة للشيعة في العراق، أولئك الذين لم يأخذوا منه شيئا، ربما باستثناء بعض المكاسب أثناء الدعاية الانتخابية (قطع أراضٍ وأموال وزعت على الناس في مناطق الجنوب)، وفي ظل هذه السياسة انفجر العراق، وبدأت الحرب الأخيرة، وهنا أصبح الشعار هو “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، ولم يعد بوسع أحد أن ينتقد المالكي، مع أننا نجزم أنهم في جلساتهم الخاصة يحمِّلونه كل المسؤولية.
أميركا التي دعمت المالكي طوال الوقت لم تجد بدا من توجيه سيل من الانتقادات لسلوكه الطائفي، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد الانفجار، كذلك حال بقية القوى الغربية، والنتيجة أنهم باتوا مؤمنين أنه من دون التضحية به، فلن يكون هناك مجال لاستقرار الوضع برمته.

على هذه الخلفية تكثر اللقاءات والمساومات؛ بين بعض القادة العرب والغرب من جهة، وبين إيران والغرب من جهة أخرى، وكلها تدور حول كيفية التخلص من المالكي والمجيء ببديل يرمم ما تهدم، لكن إيران لا زالت مترددة كما يبدو، ربما على أمل أن يكون ثمن التضحية بالمالكي هو كسب بشار، وهي مقايضة لا يتورط فيها الغربيون رغم أنهم يدعمون بقاءه من خلال منع السلاح النوعي عن الثوار، فيما يفضلون استمرار الحرب كاستنزاف لإيران وتركيا وغيرها، وكذلك ربيع العرب بما يخدم المحتل الصهيوني.
إلى أين تفضي هذه المساومات؟ لا أحد يدري، فإيران التي فقدت رشدها بدعم بشار، وفرضت على نفسها نزيفا بشعا، لم تعترف بعد بهزيمتها، وهي تعتقد أن بوسعها الانتصار، وهنا تكمن المعضلة، وربما الحل أيضا، إذ أن تواصل نزيف إيران في سوريا والعراق معا هو ما سيدفعها إلى الرشد والصفقة الإقليمية الكبرى.

متى؟ لا أحد يدري، مع العلم أن النزيف يصيب المنطقة برمتها، ولا يخدم غير الاحتلال الصهيوني، وربما شركاءه في أمريكا والغرب أيضا.