هل أزمة الثورة السورية أزمة لغوية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

دار الحياة
المؤلف: 

«الشهيد هو من يموت في حادث سير عند مستديرة المطار، وغير الشهيد كلّ ما عدا ذلك». انتشر هذا التعريف للشهادة كنكتة بُعيد وفاة المرشّح الأول لوراثة حافظ الأسد، نجله الأكبر باسل، وأمّا مصطلح «الإرهاب» في تعريف هذه العائلة «المالكة» فلم يختلف كثيراً عن «التفصيلة» التي فُصلّت على مقاس نظام الممانعة والصمود والمقاومة.

في غياب أيّ تجديد أكاديميّ لمفردات ومصطلحات اللغة العربيّة، كغياب القواميس التي تواكب تطوّر الدلالات اللغويّة الجديدة، فإنّ من انفرد للعناية بهذه القضيّة الجوهريّة جهتان: المؤسّسة الحكوميّة، والمؤسّسة الدينيّة، باتفّاقٍ مضمر بين الطرفين، طالما لزم كلٌّ منهما الخطوط الحمر غير المُعلن عنها، لكنّها الواضحة كالبداهات.

«المؤسّسات» الحكوميّة التي غدت مجال تندّر لمحاولاتها البائسة في تعريب ما لا يُعرّب، وكذلك الأساليب «الخشبيّة» في لغة الخطابات، عبر التلفزيون والراديو والصحف، وكذلك لغة المناهج التعليميّة التي صارت ممجوجة تخلو من أيّ تغيير أو تطوّر، بينما عادت المؤسّسة الدينيّة، إلى موروثها القديم من التعبير، بتعديلات طفيفة، مُتأثّرة غالباً باللهجات الدارجة كنوع من التوضيح.

كلّ ذلك، بمعزل عن تطوّر اللغات العالميّة الأخرى، انعكس بالضرورة على المسار الفكريّ والحضاريّ للثقافة السوريّة بشكل عام.

في ظلّ هاتين المؤسّستين، الحكوميّة والدينيّة، تراكم الجمود الفكري/اللغوي في شكل خاص في ما يتعلّق بالمفردات والمصطلحات، ولم تستطع الجهود النخبوّية الفرديّة التأثير في الشرائح المجتمعيّة المتنوّعة لمواكبة تطوّرات اللغة، وهذا ممّا لعب دوراً أساسيّاً في «اضطراب منهجيّة التفكير» نفسها في الوعي الجمعيّ للسوريّين، وخضعت المفردات والمصطلحات إلى فهم شخصيّ تبعاً لثقافة الفرد نفسه، وهذا ما بنى اللبنة الأولى لغياب التفاهم بين الناس بشكل عام، ممّا زاد في ترسيخ مقولة شائعة ومُتناقلة عن شكري القوّتلي تفيد بأنّ «نصف السوريّين أنبياء».

 

 

اللهجات السوريّة الدارجة كانت أكثر مرونة في مواكبة تطوّرات اللغة، ولكنّها بذات الوقت رسّخت لغة ومفاهيم المناطقيّات، بل وحتّى «الشلليّات»، فأضحت تلك اللهجات بخصوصيّاتها تبدو وكأنّ لكلّ منطقة أو شلّة مفاهيمها الخاصّة.

في زمن الثورة برزت هذه الاختلافات محليّاً وعالميّاً، فكلمة «شهيد»، مثلاً، استخدمها الجميع للتعبير عن القتلى والضحايا، ولكن مفهومها ودلالتها تختلف تماماً بين الأطراف المتصارعة، وأمّا عالميّاً فدلالة الكلمة مرتبطة بالإرهاب ارتباطاً وثيقاً، وربّما كان لذلك تأثير كبير على الرأي العالميّ العام. وقد يُجيبنا ذلك عن تساؤلين الأوّل: التفسير العالميّ عن أنّ ما يحصل في سوريّة حرب أهليّة، وليس ثورة شعب على نظامه الديكتاتوريّ المستبدّ، والثاني: عدم تعاطف شعوب العالم مع السوريّين كما سبق أن تعاطفوا مع التوانسة والمصريّين والليبيّين.

أيكمن الخلل في اللغة السوريّة وقصورها؟ أم يكمن في السياسة العالميّة المتنكّرة للثورة؟

في الواقع هناك خلل في كلا الأمرين، ولكن خبث السياسات العالميّة سخّرت هذه الجزئيّة لمصالحها، والحال أنّ أخطاء اللغة السوريّة ليست هي المعضلة إلآ في حالة واحدة فقط تتجسّد بمعنى مثل شعبيّ سوريّ: «من لا يُجيد أو يريد الرقص، يتحجّج بأنّ الأرض غير مستوية».