هل انتهت الثورة في العالم العربي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/9/2016
العربي21
المؤلف: 

الناظر إلى المشهد العربي بمعطياته الراهنة سينتابه الشك في تصديق أن الثورة في هذه البلاد ما زالت هي الحدث الفاعل والمحرك لمجريات يومياتها، دع عنك  العناوين التي يطرزها بعض الحالمين على صدر مقالاتهم، وما يحكيه قدامى ثوريي الربيع العربي عن بطولات سطرتها الجماهير في كسر حواجز الخوف ومواجهة جلادي الشعوب، وما أكثرهم، فالواقع أن الثورة وئدت مثل مولودة ولدت في عز جاهلية العرب، وما انكسرت شوكات الأنظمة من هذه الثورات، وسرعان ما تململت منها الشعوب وذهبت صوب مقاصدها دون عناء التلفت للخلف وتفحص ما حدث.

إذن، ماذا نسمي ذلك الحدث الذي ما زالت أمواج تداعيتاته تتلاطم بقوة وما زالت تتحكم بحاضرنا وتشكل مصائرنا، هل كانت مؤامرة، كما تدّعي النخب الحاكمة، وجرى القبض عليها وإيداعها في المعتقل أو قتلها في الجنين عبر إنهاك حاضنتها وتحطيم حواملها، أم إنها كانت مجرد ثورة نخبوية وقفت في منتصف الطريق لعدم توفر الخبرة اللازمة لإنجاز المهمة وإدارة الصراع؟

التحليل المحايد، والقراءة الواقعية للظاهرة، يميلان صوب توصيف ما حصل على أنه ثورة، وثورة شرعية نتيجة لتحقّق الشرط الموضوعي المتمثل بتوفر الأسباب:  أنظمة عجزت عن  إدارة عمليات انتقال البلاد ووضعها على سكة الحداثة باعتبار ذلك شرطاً لازماً للعيش في عالم القرن الواحد والعشرين، والمقصود بالحداثة هنا التطوير الاقتصادي بما يعنيه من زيادة في الإنتاجية واستثمار أنجع للموارد، والتحديث السياسي بما يعنيه من إعادة هيكلة السلطة وتوسيع قواعد المشاركة ضمانة لتصويب مخرجاتها لمصلحة أكبر كم ممكن من المجتمعات العربية. والسبب الآخر، مشاركة مروحة واسعة من الشرائح المجتمعية في تلك الثورات يصح القول إنها تصلح لتمثيل الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية في العالم العربي، وإن تلك المشاركة كانت نتيجة إدراك تلك المكونات لحقيقة المأزق الوجودي الذي تسببت به البنى والهياكل الحاكمة، وطموح هذه المكونات للانتقال إلى وضعية تهيئ مجتمعاتها للخروج من الركود التاريخي المدمر إلى عتبة المستقبل المنشود.

لكننا، وفي هذا المقام، يعنينا بدرجة أكبر الإجابة عن التساؤل عما إذا كانت الثورة في العالم العربي قد انتهت، وهنا يمكن الاحتكام إلى الوقائع والمعطيات الراهنة للخلوص إلى إجابة موضوعية:

- تعيش بلدان الربيع العربي ثلاثة أنماط من الأوضاع: نمط الفوضى العارمة (ليبيا واليمن)، ونمط الاحتلال (سوريةا)، ونمط عدم الاستقرار (مصر وتونس).

- خروج الكوادر التي انطلقت بالثورة في مراحلها الأولى من ساحة الفعل الثوري بشكل نهائي، إما بسبب تعرضها للاعتقال أو التصفية أو الهجرة، أو بسبب عدم ملاءمة الأوضاع المستجدة لها.

- استنفاد الطاقة الثورية لمجتمعات الربيع الثوري وعدم توفر الفرصة المناسبة، حتى اللحظة لإعادة شحن تلك الطاقة.

- إجهاض الحراكات الشعبية في البلدان العربية الأخرى قبل تحوّلها إلى ثورات حقيقية.

يصح في تفسير هذه الظاهرة، المقولة التي أطلقها المؤرخون الأوروبيون على ثورات القارة في العام 1848 والتي فشلت جميعها في تغيير الأوضاع التي ثارت عليها، وهي، أن التاريخ وصل إلى منعطف لكن الانعطاف لم يتحقّق، حتى إن الظروف التي تسببت في فشل الثورات الأوروبية في ذلك العام عن تخقيق أهدافها تكاد تتشابه مع ظروف الثورات العربية، فقد انقلب العسكر في فرنسا على الثوار "بما يتشابه وحالة مصر"، كما غزت جيوش الدانمارك ألمانيا لتجهض ثورتها "مثل حالة ثورة سوريا"، وفي المجر تم إضعاف الثورة من خلال التلاعب على التناقضات الطائفية والعرقية، كما أن قلة خبرة الثوار وعدم توحدهم بالإضافة إلى قوة الدولة العميقة عوامل ساهمت في إخفاق ثورات الربيع الأوروبي في تلك الفترة.

هل انتهت الثورة في العالم العربي؟ يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال طرح السؤال المقابل: هل انتصرت أنظمة الحكم؟ قد يكون ذلك الفارق الأكثر وضوحاً بين ثورات الربيع العربي التي انطلقت عام 2010 ونظيرتها الأوروبية سنة 1848، ذلك أن الأنظمة العربية لم تنتصر، وأنها انتهت في الغالب إلى أنظمة غير مستقرة ويستحيل إعادة إصلاحها نتيجة الأعطاب التي حصلت في هياكلها وبناها، وأن وجودها الحالي لا يشكل استمرارية لها بقدر ما أصبحت عبارة عن تحالفات جديدة تحوي النظام السابق دون أن تقتصر عليه، كما أن مداها الزمني محدود ينتهي عند الوصول إلى تسويات بين لاعبين آخرين، كما في الحالة السورية، أو إعادة قوى الثورة تجميع قواها وطاقاتها، كما في الحالة المصرية.. بالإضافة لذلك، فإن جميع المؤشرات الصادرة عن العالم العربي تكشف ان الثورة الخيار الإجباري لغالبية شعوب المنطقة أمام عجز الأنظمة عن إيجاد المخارج المناسبة للأزمة المقيمة في بلدانها. 

الثورات الحاصلة في أفريقيا اليوم، والتي تتشابه أنظمتها من حيث البنى والهياكل السلطوية وأساليب إدارة الحكم، مع نظيراتها العربية، تؤكد أن الثورة هي الممر الإجباري لشعوب هذه الدول إذا ما أرادت تغيير أوضاعها، وهي حتماً تريد.

تعليقات