هل بقي شيء من السيادة الوطنية في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/10/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ردّد النظام السوري، مرارًا وتكرارًا، طيلة السنوات الأربع الماضية، أنه يحارب الإرهاب الممول من أميركا والسعودية وقطر وإسرائيل، ليصل، اليوم، إلى استجداء الانضمام إلى التحالف الذي يضم الدول السابقة، وكأن هذه الطائرات تقصف بلدًا آخر. فقد أعلن، في وقت سابق، نائب وزير خارجيته، فيصل المقداد، أن "سورية ليس لديها تحفظات اٍزاء توجيه ضربات جوية أميركية ضد تنظيم الدولة فوق أراضيها"، كما وصف رئيسه بشار الأسد بأنه "حليف طبيعي" للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة، ودعا إلى التنسيق بين الجانبين، حتى لا تقع أخطاء، على حد قوله.

ثم جاء التصريح المثير للشفقة لوزير خارجيته، وليد المعلم: "من يريد الاعتداء على سورية لا يوجد لديه مبرر إلا بالتنسيق معنا..."، والتصريحات المثيرة للضحك للمستشارة بثينة شعبان التي حذرت من اختراق المجال الجوي السوري، قائلة "دمشق قد تسقط الطائرات الأميركية، لأنها أتت من دون إذن، واعتدت على سيادة سورية".

أما في يوم بدء الغارات الجوية، فكان إعلام النظام مستنفرًا، ﻻ ليشجب أو يستنكر ضربات ما كان يسميها "الإمبريالية" و"الرجعية" للأراضي السورية، بل ليقول لمواليه إن أميركا أخبرته بالغارات الجوية قبل يوم واحد. وجاءت في بيان لوزارة خارجية النظام إشارة إلى تلقي وزير خارجيته "رسالة من نظيره الأميركي، جون كيري، عبر وزير خارجية ‏العراق،‬ يبلغه فيها أن أميركا ستستهدف قواعد داعش وبعضها موجود في سورية"، ولم يفت البيان التشديد على أن محاربة الإرهاب "يجب أن تتم مع الحفاظ الكامل على حياة المدنيين الأبرياء، وتحت السيادة الوطنية، ووفقًا للمواثيق الدولية". لتخرج علينا أخيرًا صحيفة الوطن السورية بتاريخ 24 سبتمبر/أيلول بعنوانٍ عجيب، "واشنطن وحلفاؤها في خندق واحد مع الجيش السوري لمكافحة الإرهاب".

واشنطن وحلفاؤها كان اسمهم في السابق "أطراف المؤامرة الكونية"، لذا، يغدو منطقيًا الاستنتاج أن أطراف المؤامرة الكونية وأميركا وإسرائيل والنظام السوري وجيشه في خندق واحد. كذلك، على ما يبدو، يصبح الأمر عاديًا أو طبيعيًا، وينتفي انتهاك السيادة الوطنية، عندما تخبره أميركا أنها ستنتهكها. بالطبع، الاستنتاج الضمني، لكنه واضح وحقيقي: الكرسي ولا شيء غير الكرسي، والباقي لا قيمة له، يمكن بيعه في أي لحظة.

لا يكترث النظام السوري سوى بالتوجهات الأميركية والإسرائيلية، هما بوصلته السياسية. وقد أدرك، منذ البداية، أن أميركا ليست في وارد التدخل العسكري، ما جعله يمعن مطمئنًا في طريق العنف. ولذلك، نراه اليوم في وضعية التسول العلني للانضمام إلى الحلف الأميركي، فلا أحد قادر على إنقاذه سوى أميركا، وهو يدرك تمامًا هذه الحقيقة. للأسف المعارضة لم تدركها. وهناك فكرة تسيطر على موالي النظام، في ظل التربية والتحشيد البعثيين، تقوم على أن الآخرين سيعودون، عاجلًا أم آجلًا، ويعتذرون للأسد، وهي تعطيهم شيئًا من الاطمئنان والاعتزاز الفارغين. وهم ينظرون إلى الموقف المتشدد للنظام على أنه "شجاعة"، وللموقف المتهاون على أنه "حكمة". ولذلك، سيطبلون ويزمرون في الأحوال كافة.

هل أنت مع الضربة الأميركية لداعش؟ سؤال يتكرر، اليوم، في ظل أوضاع ومعادلات مشوشة ومربكة، فإن لم تكن مع الضربة فأنت مع داعش، وإن كنت معها فأنت مع أميركا، ليختلط الأمر أيضًا بالموقف من النظام والمعارضة وإيران والخليج. الأسئلة المشوهة والإجابات المشوهة، بكل الطين الفكري والسياسي فيها، شيء طبيعي في ظل حكم مشوه، وضع على عاتقه، طوال نصف قرن، ليس تشويه الثقافة والسياسة وإفسادهما فحسب، بل أيضاً البشر والحجر والهواء والتراب.

لقد أصبحت السيادة الوطنية السورية كالجدار المثقوب بآلاف الحفر، على يدي النظام السوري الذي استدعى جميع أشكال التدخل والتطرف، لتأتي ضربات التحالف، اليوم، وتزيد عدد الحفر فيه، فهل يمكن أو يتوقع أن يكون هناك اكتراث بمزيد من الانتهاك لسيادة وطنية، أصبحت، أصلًا، في الحضيض، ولم تبق دولة أو جماعة لم تنتهكها. ربما من السهل إحصاء الدول أو الجماعات التي لم تتدخل في "السيادة الوطنية" أكثر من إحصاء المتدخلة منها.

لم يُستشر الشعب السوري وقواه في سياسة النظام التي أوصلتنا إلى اللحظة الحالية، من انعدام الكرامة الوطنية، فكيف يمكن أن نتوقع موقفًا صائبًا من هذا الانتهاك الجديد. هنا، ربما يكون الأهم العودة إلى الأصول والأساسيات التي تتعلق بالسيادة الوطنية.  لم تكن سورية دولة وطنية، بل دولة طغمة أو فئة ضيقة، لذلك، لم يكن مفهوم السيادة الوطنية في أي وقت، لا في الماضي ولا في الحاضر، أمرًا مفهومًا أو محسوسًا أو ملموسًا، بما يجعله شيئًا مقدسًا، ومرجعًا في مقاربة الحوادث السياسية كافة. وهنا، يكمن جوهر كل التشوه الفكري السياسي، وتلك التناقضات الهائلة داخل معظم الأفراد، خصوصاً أهل السياسة والثقافة، ومن التيارات كافة، تلك التناقضات التي تصل إلى حد الكيل بمكاييل عدة، إزاء التدخلات الخارجية القائمة، من دون أي لحظة تفكير أو صدق مع الذات، وبحيث يكاد لا يثبت أي منهم على مبدأ أو رأي، ولا يستطيع أحدهم أن يقدم آراء متماسكة ومنسجمة فيما بينها، في لحظات سياسية عدة، وبخصوص قضايا كثيرة. تتغير التعابير والمعاني السياسية، بحسب الأهداف والمصالح، فإذا طلب "معارضون" العون من أميركا ضد النظام، فهذا اسمه خيانة وعمالة، وإذا طلب النظام العون من الدول ذاتها فهذا اسمه تنسيق. وعندما يبني النظام علاقات مع دول الخليج، يصبح هذا اسمه "حكمة" أو "فهلوة"، وعندما تقوم المعارضة بالأمر نفسه، فذلك يستدعي تلقائيًا تعابير على شاكلة "أهل النفط والغاز" و"البدو" و"الوهابية".

بالطبع، هذا الكلام ليس دفاعًا عن المعارضة، فهي تستحق النقد الكثير، لأدائها السياسي أو لهزالتها وتبعيتها، بل هو دفاع عن المنطق السوي في التفكير السياسي. في ظل هذه الفوضى، تحولت السيادة الوطنية إلى "علكة" في فم الجميع، وظهر في العمق أن لا أحد ضد التدخل الخارجي، فكل جهة تريد تدخلًا يتوافق مع تصوراتها أو مصالحها أو أوهامها، أو تريد تدخلًا من دولٍ، أو جهاتٍ، دون غيرها. فأهل "السيادة الوطنية" المفصلة على مقاس أنظمة الاستبداد مثلًا، محتارون، ومشوشون ومربكون، لا يعرفون كيفية ترقيع شعاراتهم وأيديولوجياتهم المشروخة، بما يحقق لهم شيئًا من التوازن النفسي إزاء الحدث الراهن، فالمهم ليس الواقع والحقائق، بل الاطمئنان على سلامة أيديولوجياتهم الأثيرة على قلوبهم. لهؤلاء نقول: يمكنكم الخروج من هذه الورطة بالانتباه لمسألتين: الأولى، اخلعوا من رؤوسكم نظام الاستبداد الذي ما زلتم تعتبرونه في أعماقكم معيارًا للسيادة الوطنية، أو الحقيقة السياسية أو الشرعية. والثانية، اربطوا السيادة الوطنية بحقوق المواطن وسيادة الشعب، فالبلد الذي لا يحترم فيه المواطن، ولا تكون فيه السيادة للشعب لا سيادة حقيقية له، وغير ذلك، ستتحول السيادة الوطنية إلى سيادة هشة، يمكن اختراقها بسهولة في كل لحظة، ومن أي طرف كان. هذا يعني أن انهيار مفهوم الوطنية السورية في الداخل مقدمة طبيعية لانهيارها إزاء الخارج، وهذا ما أبدع فيه النظام السوري. فبناء نظام شمولي نصف قرن، وتشويه الثقافة، وعسكرة الحياة السياسية، ونهب الاقتصاد الوطني وتخصيصه باسم طغمة الحكم، وتاليًا تدمير البلد، وقتل ما يزيد على ربع مليون سوري، واعتقال مثلهم تقريبًا، وتشريد نصف الشعب السوري، كلها تشكل تحطيمًا للسيادة الوطنية، ولا تبقي لها أي معنى إزاء الخارج. الاستبداد لا يحمي السيادة الوطنية، وهو بذاته أول وأهم انتهاك لها، لأن جوهره يتناقض، أصلًا، مع جميع المفاهيم الوطنية.

حيث الحفاظ على كرسي الحكم أكثر أهمية من السيادة الوطنية، تلك التي ينادي بها فحسب عندما يريد عدم التدخل في عمليات قتله للشعب السوري وإبادته. بالتالي، فإن مفهوم السيادة الذي ينبغي الاحتفاء به هو فحسب ذاك الذي يقوم، أساسًا، على صون حرية الأفراد، وحماية حقهم بالعيش في وطن حر وكريم، وعلى سيادة الشعب، إذ لا سيادة وطنية، حيث لا يكون الشعب حاضرًا وحرًا وسيدًا.