هل تتمكن تركيا من فك عقدة إدلب؟.. سياسيون ومحللون يستعرضون أوراق القوة والضعف

قوات من الجيش التركي في ريف إدلب الجنوبي - المصدر: الأناضول
الأحد 01 سبتمبر / أيلول 2019

يزداد الوضع تعقيداً في محافظة إدلب، في ظل الإصرار الروسي على مفهوم الحسم العسكري في المنطقة، والقضاء على جميع الجماعات التي تصفها بـ"الإرهابية"، الأمر الذي شكل عقدة كبيرة أمام تركيا، والتي تعتبر الطرف الضامن لمصير المحافظة، وأحد الأطراف الرئيسية في اتفاق "سوتشي" الموقع في أيلول من عام 2018.

التقدم البري الكبير الذي أحرزته قوات الأسد في الأيام الماضية بدعم من روسيا يعتبر ضربة كبيرة للتفاهمات التي تم رسمها في الأشهر الماضية مع أنقرة، ولا سيما أن نقاط المراقبة التي تم نشرها باتت مهددة، وبالأخص نقطة المراقبة الموجودة في مدينة مورك بريف حماة الشمالي، وإضافة إلى ذلك تحول مشهد المدنيين ونزوحهم إلى درجات تصعيدبة أكبر، بوصولهم إلى الحدود السورية- التركية، واقتحامهم للبوابات الحدودية، المتمثلة بمعبري أطمة وباب الهوى.

أمام الوقائع المفروضة على الأرض والمصير المجهول الذي ستكون عليه المحافظة في الأيام المقبلة، تتجه الأنظار إلى تركيا وتدور التساؤلات عن مدى قدرتها على فك عقدة إدلب، والتي تصدر ملفها على باقي التطورات التي تحصل على الخارطة السورية، إلى جانب ملف المنطقة الآمنة في شرق الفرات، والتي شهدت عدة تطورات في الأيام المقبلة، بموجب التفاهمات الأمريكية- التركية.

وبالنظر إلى الواقع المفروض على الأرض، فإنه ورغم التقدم الكبير الذي أحرزته قوات الأسد بدعم من روسيا في الريف الجنوبي لإدلب والريف الشمالي لحماة، ماتزال نقاط المراقبة التركية ثابتة في المواقع المحددة لها، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل استمر الجيش التركي بتسيير دورياته العسكرية داخل المحافظة، وأكمل عمليات الاستطلاع وخاصة على طول الأوتوستردات الدولية دمشق- حلب وحلب- اللاذقية.

وكانت آخر التطورات التي شهدتها المحافظة إعلان وقف إطلاق نار من طرف قوات الأسد وروسيا فقط، وتبع ذلك القمة التي جمعت الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في موسكو، والتي خرجت ببنود فضفاضة عبّر فيها الجانبان عن قلقهما عما يحصل في المحافظة، وأكدا على الاستمرار باتفاقية سوتشي التي تحكم مصير المحافظة بوجهة نظرهما.

 

ثمن شرق الفرات يدفع في إدلب

يقول القيادي في "الجيش الوطني" وقائد "لواء المعتصم" مصطفى سيجري إن الوضع في الشمال السوري إلى حد ما بات أكثر تعقيداً، بسبب ما يحدث في إدلب من ضغوطات يتعرض لها الجانب التركي، معتبراً أن "تركيا تدفع الثمن في إدلب نتيجة التفاهمات مع واشنطن بشأن شرق الفرات والمنطقة الآمنة".

ويضيف سيجري لـ"السورية نت" أن روسيا تدرك أن التفاهمات بين تركيا وأمريكا بشأن شرق الفرات في حال اكتملت وتمت، فإنها ستمتد إلى أبعد من ذلك، وسيكون هناك تغير في المشهد إيجابًا بالنسبة للشعب السوري وسلباً بشأن نظام الأسد وموسكو.

وبحسب سيجري فإن روسيا تعبر عن غضبها باستخدام ورقتين الأولى على "المجموعات الإرهابية" في تل رفعت وما حولها، وأيضاً حالياً بذريعة وجود "جبهة النصرة" في محافظة إدلب، مشيراً إلى أن ما يحصل في إدلب عبارة عن رسائل غضب من موسكو رداً على التفاهمات التركية الأمريكية بخصوص شرق الفرات.

ويعتبر نظام الأسد المستفيد الأكبر عما يحصل في إدلب، ومن الخلافات الروسية- التركية، ويساعده ذلك في التحرك عسكرياً، بمساندة أساسية من القوات الخاصة الروسية على الأرض، والميليشيات الإيرانية التي تعتبر مشاركتها تطوراً لافتاً.

ويوضح سيجري أن مشاركة إيران في العمليات العسكرية بإدلب يعتبر أيضاً ردة فعل على التفاهمات التركية والأمريكية في شرق الفرات، مشيراً إلى أن إيران تدرك أن التفاهم بين واشنطن وأنقرة له ارتدادت سلبية، كونها ستصبح "كبش الفدا".

 وفي 18 من أغسطس/ آب الماضي كانت إيران قد اعتبرتأن الاتفاقيات الأمريكية بشأن إنشاء المنطقة الآمنة في شمالي سورية مستفزة و"مثيرة للقلق"، في تعليق هو الأول منذ بدء التحركات المشتركة بين موسكو وأنقرة بشأن المنطقة.

ونقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية عن وزارة الخارجية الإيرانية قولها في ذلك الوقت إن اتفاق الولايات المتحدة على إقامة منطقة آمنة في شمال سورية "استفزازي ومثير للقلق".

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي: "إن الإعلانات والاتفاقات التي صدرت عن المسؤولين الأمريكيين في الآونة الأخيرة بشأن إقامة منطقة آمنة في شمال سورية مستفزة ومثيرة للقلق".

ماذا عن البيت الداخلي؟

 بالانتقال إلى البيت العسكري الداخلي للفصائل في إدلب فإنها تستمر بالإعلان عن التصدي لقوات النظام السوري والقوات الخاصة الروسية، ورغم أنها لم تعلن عما ستكون عليه المحافظة في الأيام الماضية، إلا أنها تحاول بقدر الإمكان امتصاص الهجوم الواسع على أكثر من محور وخاصة الريف الجنوبي لإدلب.

ويشير سيجري إلى أن البيت العسكرية الداخلي يشهد محاولة لترتيب الصفوف، إلا أن عدة عوائق تعقد الأمر بينها "وجود هيئة تحرير الشام ذات الأداء السلبي في المعارك وباتجاه القوى الثورية".

وقال : "الهيئة لم تشارك سوى بـ %15 من قواتها وحرمت المنطقة من السلاح الثقيل، ومنعت مشاركة الجيش الوطني وإدخال السلاح الثقيل بشكل فاعل"، معتبراً أن الإشكالية الداخلية في إدلب هي بقاء "تحرير الشام" وممارساتها في المنطقة، إلى جانب الخلافات الإقليمية بين الدول.

 وتطرق سيجري إلى موقف واشنطن من وضع إدلب، موضحاً أن "واشنطن تستفيد من الخلافات الروسية التركية، حيث أن أي ضغط على أنقرة في إدلب يدفها لتخفيف السقف التفاوضي في المنطقة الآمنة وملف قوات سوريا الديمقراطية".

هل تتخلى أنقرة عن نقاط المراقبة؟

رغم التطورات العسكرية والتقدم الميداني الكبير لقوات الأسد والقصف الجوي الروسي المكثف، إلا أن تركيا ما تزال تحتفظ بنقاط المراقبة الـ12، وتستمر بتعزيزها في إدلب، في مشهد يعطي تأكيداً على نية أنقرة عدم التخلي بشكل كامل عن ورقة إدلب.

ويقول المحلل التركي حمزة تيكين لـ"السورية نت" إن تركيا لن تتخلى عن النقاط التي أقامتها في إدلب، بل على العكس هناك نية وسعي لزيادة عدد هذه النقاط في محافظة إدلب.

وأضاف تيكين أن تركيا أدخلت اليوم قوات كبيرة من دبابات وجنود لتعزيز نقاط المراقبة، وبالتالي يؤشر ذلك على تصميم تركيا على إبقاء النقاط وتقويتها أكثر وأكثر.

وبحسب تيكين، "ما يحكى حول أن تركيا قد تسحب نقاطها أمر غير صحيح، والدليل أن النقطة التاسعة في مورك في أقصى الجنوب الإدلبي، مع تقدم قوات النظام لم تسحبها تركيا بل عززتها"، مشيراً إلى أن "الإصرار التركي واضح على إبقاء نقاط المراقبة وزيادتها من حيث العدد".

وكانت شبكة المحرر التابعة لفصيل فيلق الشام قد ذكرت منذ أيام أن القوات التركية تنوي إنشاء عدد من نقاط المراقبة العسكرية بين النقاط الموجودة والمثبتة سابقاً وذلك لدعم تثبيت وجودها ومنع تقدم قوات النظام السوري في المنطقة، ودعماً للحل السياسي وتسريعه.
 وقالت إن النقاط من الممكن أن تكون في غرب مدينة سراقب، معمل القرميد ومعسكر الشبيبة على طريق حلب اللاذقية، نقطة في منطقة محمبل، نقطة في جسر الشغور.

ويوضح تيكين أن "الجانب التركي يسعى جاهداً لإيقاف العمليات العسكرية.. لولا تركيا اليوم لكان النظام اجتاح النظام السوري منذ أيام وأشهر، وهو  أمر واضح ولا يحتاج إلى دليل على أرض الواقع".

ويقول تيكين: "الملف الثقيل هو مكافحة الإرهاب في شرقي الفرات، وتحاول تركيا التوزان بين الملفين، وبوادر النجاح واضحة في هذا السياق"، مضيفاً "إذا كانت إدلب بخير وهادئة ستكون تركيا هادئة والحدود التركية هادئة، أي أن المصلحة مشتركة للشعب السوري وتركيا لمعارضة النظام السوري ولناحية تحقيق مطالب الشعب السوري رغم كل الصعوبات والضغوطات سواء تحت الطاولة أو فوق الطاولة".

وبوجهة نظر المحلل التركي فإن "تركيا تريد أن تحمي أمنها القومي وحدودها، لكن لا تريد العمل بذات الطريقة التي تفكر فيها بعض الدول الأخرى".

روسيا تلتف على ضغوطاتها في إدلب

إلى جانب ما سبق يرى عضو "هيئة التفاوض السورية"، العميد فاتح حسون أن روسيا كانت تحاول أن تطبق بند في (اتفاقية قمة سوتشي حول إدلب) بالقوة، المتعلق بإقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-17 كيلومتر داخل منطقة خفض التصعيد، متجاهلة البند الذي ينص أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم عند إبرام الاتفاقية.

وأضاف حسون لـ"السورية نت" أن "روسيا وكعادتها عندما يحدث ضغط دولي فإنها تلتف على هذا الضغط وتعود لاتفاقياتها من جديد لحين قدرتها على خرقها مجدداً".

وأوضح "حالياً توقفت روسيا تكتيكياً ومرحلياً عن التقدم في منطقة إدلب الكبرى، نتيجة صمود قوى الثورة والمعارضة والموقف التركي الصلب وتأييد المجتمع الدولي له، لكنها ستستغل أي لحظة ضعف عسكرية أوسياسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بالسيطرة على كامل إدلب، ولا بد من تضافر الجهود الدولية لنسف هذه الأهداف كون تداعيات ذلك ستكون كارثية على المجتمع الدولي برمته".

المصدر: 
خاص- السورية نت

تعليقات