هل تحتاج سوريا دستوراً جديداً؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28 سبتمبر / أيلول 2019
تلفزيون سوريا
المؤلف: 

أعلنت الأمم المتحدة الإثنين 23 من أيلول 2019، أن المبعوث الخاص للأم المتحدة نجح في تشكيل ما تعارف عليه باسم اللجنة الدستورية، التي سيكون من مهامها -حسب بيان الأمم المتحدة- "إعادة تشكيل الدستور الحالي للجمهورية العربية السورية ، ومراجعته من أجل التوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة المشتعلة في سوريا منذ 2011".

واللجنة الدستورية التي أثير كثير من الجدل حولها هي لجنة تتألف من 150 شخصاً ، يختار النظام منهم 50 شخصاً ، والمعارضة 50 شخصاً ، فيما يختار المبعوث الخاص إلى سوريا الـ 50 شخصية الأخيرة، لتكون هذه اللجنة هي النواة الحقيقية لبناء دستور توافقي يسير البلاد في فترة ما بعد الحرب على الشعب السوري، ولنفترض أن اللجنة الدستورية استطاعت بعد أخذ ورد وجدل طويل أن تتبنى دستوراً معاصراً حديثاً وديمقراطياً ينتمي إلى الدساتير الحديثة في العالم، فمن هو الضامن الذي سيقرر وسيجبر جميع الأطراف على تنفيذه، وخصوصاً في البنود المختلف عليها بشكل حاد منذ 2011، إن مراقبة المجتمع الدولي لمجموعة أستانا السياسية، المكونة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودولة روسيا الاتحادية والجمهورية التركية ، وتركهم يتقاسمون الحل في سوريا دون أي تدخل أو رقابة حقيقية ، هو أمر مثير للجدل، فدولتان على الأقل من الدول الثلاثة وهي إيران وروسيا لا تتبنى ديمقراطية حقيقية وليس لديها أية مصلحة في أن تتحول سوريا إلى نموذج ديمقراطي سيكونون هم أول ضحايا هذه الديمقراطية.

ولذلك فإن كل ما بني على تلك اللجنة الدستورية ليس إلا بناء وهميا رفع وبني من قبل ثلاثة أطراف متورطة في المسألة السورية ، أو بمعنى آخر ليست ذات فكر حيادي تجاه الواقع السوري ومصلحة الشعب السوري، حيث بات كل منها يسعى نحو تنفيذ أجندته السياسية المتعلقة بسوريا ضمن حد أدنى من الخسائر والتبعات الارتدادية عليها، وبالدرجة القصوى إيران التي تورطت بالاقتتال السوري إلى درجة باتت مخجلة وفضائحية، ومن ثم فإن الطرف الرابع الأساسي في المقتلة السورية ألا وهو إسرائيل +أميركا ، وهما لاعبان أساسيان في الفضاء السوري، ليسا ممثلتين بأي شكل من الأشكال في اللجنة الدستورية ،دون نسيان أن اللجنة الدستورية لا تشمل في قوائمها أي ممثل من قوات الحماية الكردية التي تعتبر حليفاً أساسياً لواشنطن على الأرض السورية، والتي بدورها اعتبرت أن استبعادها من اللجنة الدستورية هو أمر غير منصف أبداً، مع العلم أنه تم إدراج ممثلين عن الأكراد مستقلين في تلك اللجنة، و لكن كيف يمكننا أن نصدق عمل اللجنة الدستورية التي ستقوم برسم خريطة طريق سياسية للشعب السوري من أجل الخروج من كارثته، دون أن تكون اللجنة إما: ذات مصداقية في تمثيلها، حيث إن أعضاءها هم أشخاص لا يوجد تمثيل حقيقي لهم على الأرض ،ودون أية تاريخ سياسي أو قانوني أو فكري يخولهم مناقشة الدستور وتفاصيله وليس لديهم أية حرية في استقراء المشهد السياسي بعيداً عن الإرهاب الفكري والتعسفي والضغط السياسي المباشر عليهم، أو قادرة على العمل بشفافية وتحت رقابة دولية موثوقة وإشراف إعلامي محايد وحقيقي، يتم طرح كل مادة من مواد الدستور فيها للمناقشة العلنية، وربما تخضع المواد الأكثر حرجاً وخلافية للاستفتاء الشعبي، فلا أحد يقبل ونحن على مشارف 2020 أن يتم استغفال الشعب السوري مجدداً وتشكيل مستقبله في غرف سوداء مغلقة ومن ثم الخروج عليه وفرض نتائج ما جرى من مؤامرات وحسابات دولية في تلك الغرف، وربما يتفق في هذا المعارضون والموالون، القابعون في الداخل والمنتشرون في الأرض، فكيف للسوريين أن يقبلوا فرض تلك المادة الأساسية في الدستور والتي تحدد أبعاد المنصب الرئاسي، أو تلك التي تحدد المدة الرئاسية والصلاحيات الرئاسية، دون أن تخضع تلك المادة لاستفتاء شعبي ينتج عن اللجنة الدستورية العتيدة، كيف للسوريين أن يصدقوا آليات اختيار أعضاء هذه اللجنة وهم من يعلمون علم اليقين آليات تشكيل اللجان في بلدهم منذ خمسين عاماً،

اللجنة الدستورية هي أمر رائع جدا في بلدان لم تصل أزمتها لما وصلت إليه في سوريا، ولكن لا يجوز أن تكون مفروضة على السوريين فرضاً، ففي ذلك إهانة مستمرة لشعب خسر كل ما لديه في الحاضر ، بغية شراء المستقبل الأفضل، لا يجوز أن يفرض شيء على السوريين أو استغباؤهم بأي شكل من الأشكال، ربما يصبرون و يتحملون ولكنهم لن يقبلوا أي دستور يمنح  العدالة للقتلة مهما كانوا، ويمنح الغفران للمحتل مهما كان، ويجعل سدة البلد بعيدة المنال عن الشعب وعن التداول السلمي المدني الهادئ، كثيرة هي بلدان العالم التي تهدمت نفسياً وعمرانياً واقتصادياً واجتماعياً، ولكن لا توجد أية تجربة في العالم خسر فيه الشعب بلده وحاضره ويراد له أن يخسر مستقبله أيضاً، فإن كانت اللجنة الدستورية مكونة حقاً من أبناء البلد الراغبين في بناء مستقبل زاهر لأبنائها، فليخرج علينا أعضاؤها وليكونوا شفافين ومنصفين في نقل مداولتهم المظلمة إلى العلن، وليكشفوا لكل الأطراف أي خلل في بناء ذلك الدستور الذي يدعي الروس أنه سيكون حلاً للشعب الذي تهدمت الدنيا على رأسه، فإن كنا منصفين في حق اللجنة الدستورية، ليخرج علينا ممثل عنهم وليطلب إجراء استفتاء شعبي على نتائج اللجنة ودستورها، فإن رفضه الشعب، فليرجعوا لكتابة دستور جديد، دون أن ننسى الوقت المكلف لكتابة الدستور ومن سيقوم بإعادة بناء الدولة، وما هو مصير انتخابات 2021، الرئاسية ومن هم المرشحون ومن هم الذين سيصوتون، وما هي آليات الترشح والانتخاب إلخ.

الأمر بسيط، في كل تجارب البلدان التي تعرضت لخراب كبير، يتم تشكيل لجنة تأسيسية، تكون مهمتها إعادة تشكيل روح الدولة وبنيتها، جمهورية ؟حكومية؟ اتحادية؟ فيدرالية؟ ومن ثم يتم تشكيل حكومة تصريف أعمال ينتج عنها لجنة لكتابة الدستور.. ومن ثم تكون الانتخابات العامة والرئاسية.. وليس العكس..

إن ما جرى في سوريا كاف لإعادة تشكيل الأمم المتحدة وليس فقط لإعادة تشكيل الجمهورية العربية السورية، ولكن هناك في هذا العالم القبيح، من يعتقد ويجزم بحرمان الشعب السوري من ديمقراطية حلم بها كثيراً وتحمل وناضل من أجلها كثيراً، ديمقراطية منصفة للجميع، تحمي مدنية الدولة وترعى حقوق الضعيف قبل القوي، وتكفل فصل الدين عن الدولة، وكل ماهنالك أن ما يجري هو فصل جديد من فصول كسب الوقت وتمريره حتى أجل مسمى.