هل تراهن موسكو على الحل العسكري في سورية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/9/2015
السورية نت
المؤلف: 

لا يدري نظام الأسد كيف يمكنه التوفيق بين طلب المساعدة والمعونة العسكرية علناً من حلفائه (حزب الله وروسيا) ونفي ذلك في الوقت نفسه، كي لا تهن معنويات مؤيديه أو من تبقى منهم، لكنه لا يزال يراهن على الأسطوانة المشروخة ذاتها وهي محاربة الإرهاب ومواجهة ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية".

لم ينفع النفي الرسمي في تبديد المخاوف والشكوك المتعاظمة حول "زيادة" الدعم العسكري الروسي رسمياً وعلناً هذه المرة، لنظام الأسد، والتي تحولت (الدعم الروسي) مع صور الأقمار الصناعية وتقارير أجهزة الاستخبارات الدولية إلى حقيقة داغمة.

فوزير إعلام النظام عمران الزعبي حاول أخيراً نفي كل ذلك لقناة المنار الناطقة باسم حليفه ميليشيا حزب الله اللبناني، معتبراً أن التقارير التي تروم تأكيد وجود حشد عسكري روسي مجرد "فكرة غربية بدوائر المخابرات الغربية" لإظهار "أن الجيش ضعيف للغاية بدون مساعدة من حليفه الأجنبي كذريعة لتقديم مزيد من الدعم من دول تريد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد".

تعد روسيا المورد التقليدي للأسلحة لدمشق وهي الحليف الأساسي للأسد طوال الثورة السورية، وهو أمر لم يجد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف غضاضة (على العكس من الزعبي) في الاعتراف بأن موسكو أرسلت "دائماً" إمدادات عسكرية إلى نظام الأسد قائلاً: "إن موسكو "لم تخف أبداً أنها تسلم معدات عسكرية إلى السلطات السورية الرسمية بهدف محاربة الإرهاب."

والحال أن شعار منع انهيار المؤسسات السورية، وفي مقدمتها الجيش الذي تلطخت أيدي معظم جنرالاته ما لم يكن جميعهم بالدم السوري، بات غطاءً لإمساك دول كبرى بزمام هذه المؤسسات بحجة منع انهيارها، وهو ما يظهر في مسألة الدعم العسكري واسع النطاق الذي قررت موسكو تقديمه للنظام السوري، تحديداً في الساحل، جواً وبحراً وبراً، تحت عنوان "مكافحة الإرهاب".

تحاول روسيا بذلك اقتطاع حصة كبيرة من مساحة النظام السوري، أي الجيش، وخصوصاً أن الطرفين الأقوى اليوم على أرضية النظام، أي إيران وحزب الله، يعملان باستقلالية تامة عن جيش النظام، أو بتوزيع أدوار مع هذا الجيش من دون قيادته أو إدارته، لأسباب عديدة، منها أن مشاريع هذين الطرفين أكبر من أن تُستوعب في إطار المؤسسات الحالية، وأيضاً بسبب انعدام ثقة النظام الإيراني وحزب الله بالجيش الحالي وترهله والفساد الذي ينخره وضعف أدائه، كما لا يمكن الفصل بين "الاستثمار" الروسي في الجيش السوري من جهة، والحصة التي ستكون لموسكو في أي "حلّ سياسي" محتمل أن يتم التوصل إليه يوماً ما، تحديداً من بوابة هذا "الاستثمار" العسكري في المؤسسة العسكرية.

تشير الأنباء الواردة من مدينة اللاذقية إلى أن قوات النظام في ريف اللاذقية باتت تعمل تحت إشراف مباشر لخبراء ومستشارين روس منذ مطلع شهر أغسطس/آب الماضي مع بداية تقدم قوات المعارضة الواضح على تخوم معسكر جورين في سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي المتاخم مباشرة لسلسلة جبال اللاذقية التي تعتبر المعقل الرئيس الذي يحوي الحاضن الشعبي الموالي للنظام، وكانت في الماضي تقدم الدعم العسكري والاستشاري فقط.

وكشفت تقارير مخابراتية مؤخراً عن أن الدعم العسكري الروسي الجديد لنظام الأسد شمل توافد عدد من الخبراء العسكريين الروس قدر عددهم بالعشرات لينضموا إلى قوات النظام التي تقاتل على جبهتي سهل الغاب وريف اللاذقية الشمالي، من دون أن يشارك هؤلاء بشكل مباشر إلى جانب قوات النظام في القتال ضد قوات المعارضة. وجلب الخبراء الروس الوافدون حديثاً إلى ريف اللاذقية معهم منظومات مراقبة واتصالات متنقلة محمولة على شاحنات مكّن استخدامها قوات النظام من زيادة التنسيق اللحظي بين وحداتها العسكرية التي تقاتل على مختلف جبهات ريف اللاذقية وسهل الغاب، الأمر الذي أحدث فرقاً بين كفاءة قوات النظام المتردية في الدفاع عن مدينة إدلب ومدن أريحا وجسر الشغور والقطعات العسكرية المحيطة بها، وبين كفاءتها العالية في الدفاع عن مناطق سيطرتها في محيط بلدتي دورين وسلمى في ريف اللاذقية الشمالي وفي محيط معسكر جورين في منطقة سهل الغاب شمال غرب حماة.

ورغم رواج الأنباء التي تم تداولها أخيراً عن تسلّم الروس لإدارة مطار حميميم الواقع في ريف اللاذقية على بعد نحو 23 كيلومترا جنوب اللاذقية، إلا أن مشاورات بهذا الخصوص بين نظام الأسد وروسيا لا تزال قائمة، لكن المطار يعاني من تردي مستواه الفني والخدمي بسبب عدم صيانته منذ فترة طويلة. فالرحلات الجوية تصل من روسيا إلى المطار حميميم بشكل دائم وتحمل شحنات إغاثية وعسكرية يتم تفريغها في المطار قبل شحنها إلى مختلف المناطق التي يسيطر عليها النظام في سورية، وهو ما لم تنفه وزارة الخارجية الروسية. وشملت الشحنات معدات عسكرية معبأة في صناديق يعتقد أنها تحمل ذخائر متنوعة وأجهزة إلكترونية عسكرية، من دون أن تشمل الشحنات العسكرية الواصلة في الشهر الأخير إلى مطار حميميم مدرعات أو آليات ثقيلة، مع احتمال وصول مثل هذه الأسلحة الثقيلة عبر ميناء طرطوس الذي توجد فيه قاعدة عسكرية روسية صغيرة يخدم بها نحو مئة عسكري روسي.

الحضور الروسي في مدينة الللاذقية وانتشار صور المقاتلين الروس في اماكن عدة في سورية على صفحات التواصل الاجتماعي بات مثيراً للاهتمام في الآونة الأخيرة، إذ لم يعد الروس يجدون غضاضة من إظهار جنودهم في المناطق الموالية للنظام ولا سيما محافظة اللاذقية.

يكشف الدعم الجديد من قبل موسكو لقوات النظام في اللاذقية عن حرص روسيا على عدم خسارة النظام لمناطق سيطرته في الساحل السوري، والتي تعتبر الخزان البشري الأهم الذي يزود النظام بالمقاتلين، فضلاً عن أهمية المنطقة التي يوجد بها مستشارون روس من الناحية العسكرية.

على الجانب السياسي، تصاعد الحديث أخيراً عن مشاورات إقليمية ودولية لتفعيل مبادرة المبعوث الأممي الخاص لسوري "ستيفان دي ميستورا" رغم البون الشاسع بين وجهات نظر الأطراف المعنية بما يجري في سورية، خصوصاً مع تأكيد روسيا المستمر على رفضها القاطع لأن يكون تنحي الرئيس السوري شرطاً مسبقاً للمعارضة للدخول في مفاوضات الحل السياسي، لكن موسكو تدرك صعوبة إيجاد منفذ في جدار الرفض الدولي لبقاء الأسد وأركان نظامه في أي تسوية سياسية محتملة، وهي بعد أن تسلمت إدارة الملف السوري من واشنطن تروم التلويح بالعصا العسكرية إلى جانب جزرة التفاوض التي لم تغر احداً سوى بعض الأطراف المحسوبة على النظام أصلاً، والقول للجميع: إن مفتاح الحل في سورية (سياسياً كان أم عسكرياً) بيدي، لا بيد حزب الله أو حتى طهران!

تعليقات