هل ترى المنطقة "الآمنة" النور قريباً؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/12/2014
السورية نت
المؤلف: 

لا يخلو التحالف بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية من خلافات كما بات واضحاً للعيان، فالتصريحات الأمريكية المتضاربة إزاء الملف السوري، والتي وصلت إلى حد اتهام نائب الرئيس الأمريكي "جو بايدن" تركيا بالمسؤولية عن دعم بعض المجموعات المتشددة في سورية، ومنها ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية"، قبل أن يتراجع عنها ويعتذر إزاءها، وتردد الولايات المتحدة في استراتيجية تعاملها مع الملف السوري، أموراً تبرز حجم الخلاف بين الطرفين.

ورغم الطابع الاستراتيجي والمؤسسي الذي يتسم به هذا التحالف، من حيث كون تركيا عضواً في حلف الناتو، إلا أن التفاعلات المرتبطة به لم تغير من درجة الاختلاف في المصالح والتصورات بين أنقرة وواشنطن حول سورية تحديداً، وما يرتبط به من دعم الحرب على "تنظيم الدولة".

يمكن تفسير الخلاف بين واشنطن وأنقرة، في ضوء عدة عوامل، يتمثل العامل الأول في إدراك أنقرة أن دورها في هذا التحالف مهم حتى تنجح العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها، وأن تحقيق هذا الهدف لن يحدث دون مشاركة فعلية من جانبها، خاصة أن قوات التحالف لا تستطيع التدخل برياً دون مساندة من تركيا، كما أن تدريب المعارضة "المعتدلة" يحتاج إلى مساعدة تركية، ولعل ذلك هو ما يجعل الأخيرة في موقف قوي، على نحو يبرر تمسكها بإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع سورية.

العامل الثاني يدور حول وجود خلاف جوهري حول مستقبل الأسد، ففي حين تطالب تركيا بشكل مستمر بإسقاط الأسد، ترى واشنطن أن الأولوية لمحاربة "تنظيم الدولة"، وربما السعي إلى الوصول لحل سياسي أياً كان دور الأسد فيه، ولعل ذلك يفسر عدم استهداف عمليات التحالف في سورية أي أهداف تابعة لنظام الأسد، مقابل عدم محاولته عرقلة هذه العمليات.
أما العامل الثالث، فيتعلق بوجود خلاف في التصورات بين الجانبين حول معركة عين العرب "كوباني"، حيث تنظر تركيا إليها على أنها معركة بين تنظيمين إرهابيين لا يقلان خطورة عن بعضهما، وذلك على خلاف التصورات الأمريكية التي ترى ضرورة دعم الأكراد لإحكام سيطرتهم عليها.

"إقالة" وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل، الذي اعتبر شماعة لتحمل فشل استراتيجية أوباما في المنطقة، وخاصة سورية، ترجح رضوخ الولايات المتحدة لمطالب تركيا حول المنطقة الآمنة أو العازلة، لا سيما أنها تلقى دعماً أممياً بدأت تتجلى ملامحه في مبادرة المبعوث الأممي "ستيفان دي ميستورا" الذي تنص إحدى بنود مبادرته على تشكيل منطقة آمنة تكون حلب في الشمال السوري منطلقاً لتنفيذها، ما يعني أن واشنطن تهيئ الرأي العام الدولي وأذرعه الأممية لتبني مطالب إنشاء المنطقة الآمنة أو العازلة (بحسب اختلاف المسميات والمضامين).

ما من شك أن الولايات المتحدة ستحاول إيجاد صيغة توافقية ترضي تركيا من جهة، ولا تفتح عليها أبواب الاعتراضات الدولية وخاصة من روسيا والصين وبقية حلفاء الأسد، وتشير بعض التسريبات إلى أن المنطقة الجديدة المعتزم تشكيلها، سيطلق عليها "منطقة صد جوية،" وهي منطقة عازلة داخل سورية على طول الحدود التركية ستقيمها القوات البرية التركية، وسيتم حمايتها من قبل القوة الجوية الأمريكية.

الهدف من هذه المنطقة التي لن يكون لها مسمى منطقة حظر جوي برعاية أممية أو قرار من مجلس الأمن، لتجنب الفيتو الروسي- الصيني، هو تقديم الحماية لبعض قوات المعارضة والمدنيين في سورية من كلٍ من "تنظيم الدولة" ومن نظام بشار الأسد، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى سورية عبر هذه المنطقة. وقد طرحت هذه الفكرة آخر مرة من قبل الحكومة الفرنسية في عام 2012، وأفادت التقارير حينها أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون دعمتها، لكن الرئيس الأمريكي أوباما رفضها حينها.

وقد ناقش الجنرال الأمريكي المتقاعد "جون آلان" الذي ينسق في إدارة أوباما للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، منطقة الحظر الجوي مع مسؤولين أتراك خلال رحلته إلى هناك الشهر الماضي.
حتى الآن، لم يتم ذكر هذه المنطقة "الصادة" بشكل رسمي على مستوى مجلس الأمن القومي، ولم يقم أوباما باتخاذ أي قرار حيال المنطقة، وهو ما يفسر تضارب التصريحات الأمريكية إزاء تسريب مضمون الاتفاق الأمريكي التركي حول المنطقة، فالولايات المتحدة هي بأمس الحاجة الآن لهذه المنطقة لضمان مشاركة تركيا التي تمتلك ثاني أكبر قوات برية في حلف الناتو بعد واشنطن، وهي مضطرة لتلبية مطالبها التي تصر عليها.

ويأتي العرض الأمريكي الجديد كجزء من اتفاق أكبر سيشمل أيضاً تصعيد تركيا لقتالها ضد تنظيم الدولة بما فيها استعمال القوى البرية التركية داخل سورية للاستطلاع من أجل الغارات الجوية الأمريكية، وأن تسمح للولايات المتحدة بتنفيذ خططها من قاعدة إنجرليك الجوية التركية.
العرض الجديد هو نسخة مصغرة عن عروض سابقة قدمت من قبل الأتراك، حيث أنها لن تتضمن غارات جوية وقائية لتصفية أنظمة الدفاعات الجوية التابعة لنظام الأسد، ولن يتم التعامل مع قوات النظام إلا إن انتهكتها.

على الرغم من تضارب التصريحات الأمريكية إزاء التوصل إلى مثل هذا الاتفاق بين واشنطن وأنقرة حول إيجاد المنطقة الآمنة أو العازلة، إلا أن الولايات المتحدة تريد أن ترى المنطقة النور بأسرع وقت ممكن بعد أن تحولت إلى مطلب أمريكي، كما هي مطلب تركي وسوري (المعارضة) بالضرورة، وعليه فإن مسألة تكوين هذه المنطقة التي لن تحظى بقرار من مجلس الأمن على الأغلب، ستكون قريباً لضمان استمرار التحالف الدولي وبقاء الحلفاء فيه، خاصة أن التململ من فشل استراتيجية واشنطن وصل إلى الحلفاء، وبات من الضروري على واشنطن اجتراح حل يغير معادلات الحل في سورية، خاصة بعد موقف إيران المتصلب في الملف النووي، وشروع روسيا بأخذ مسافة عن إيران في هذا الملف، ما يفسر مساعي موسكو لعرض مبادرات سياسية تفاوض من خلالها على دور متوقع في مستقبل سورية، فيما لو أنشئت هذه المنطقة، وتطورت الأمور إلى حرب متوقعة بسبب عدم موافقة النظام عليها.