هل تريد أميركا إنهاء "داعش"؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/6/2015
العربي الجديد

في خضم الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً مع الصعود الصاروخي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، يطرح سؤال جدي عن مدى إمكانية قضاء الولايات المتحدة الأميركية على هذا التنظيم، خصوصاً أنه بات يتحرك ضمن مساحة جغرافية كبيرة.

بداية، لا بد من القول إن ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية وصعودها غير منبتة عن واقع المنطقة، بل هي، إن شئنا الدقة، نتيجة طبيعية لمجمل التغييرات والتحركات التي طبعت المنطقة منذ أحداث سبتمبر عام 2001، وما تبع ذلك من عملية غزو لأفغانستان والعراق عام 2003، وتبعات ذلك، على المستويين، الإقليمي والدولي.
يطرح شيعة العراق نظرية خاصة بهم عن علاقة أميركا بتنظيم داعش، فهم، وفي إطار محاولة طرح أنفسهم وطنيين، يقولون إن الولايات المتحدة هي من تدعم هذا التنظيم، ويدللون على ذلك بروايات عديدة تتناقلها صحفهم وإعلامهم عن طائرات التحالف التي تلقي أسلحة للتنظيم وما شابه، وهي روايات لا يبدو أنها تصمد كثيراً أمام الحقائق على الأرض التي تؤكد أن الولايات المتحدة تدعم بطائراتها التحركات العسكرية العراقية ضد التنظيم، بل لا تجد أميركا حرجا من الحديث صراحة عن وجود دعم إيران وميلشياتها للقوات العراقية، لكنها مستعدة للتعاون .

في معركة تكريت، وبعد نحو شهر ونصف الشهر من بدء القوات العراقية، مدعومة بما يعرف الحشد الشعبي، وبوجود الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وعدد غير محدد من المستشارين الإيرانيين، فشلت كل هذه القوات المتجحفلة في اقتحام المدينة التي قيل إن هناك نحو 300 إلى 400 مقاتل من تنظيم الدولة يسيطرون عليها، فاضطرت حكومة بغداد إلى الطلب من أميركا التدخل، على الرغم من رفض طهران ذلك، ما تسبب في انسحاب ما يعرف بالحشد الشعبي المدعوم إيرانيا، وفعلاً جاءت الطائرات الأميركية، وألقت عدة قنابل "ارتجاجية"، أدت إلى تفجير العبوات الناسفة التي زرعها التنظيم لإعاقة تقدم القوات العراقية، ممهدا الطريق لتلك القوات، ومعه الحشد الشعبي والمستشارون الإيرانيون، لدخول تكريت، معلنين نصراً مؤزراً بقاذفات العم سام "الشيطان الأكبر".

 

كانت معركة تكريت دليلاً واضحاً على أن لدى أميركا القدرة على القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن هذه الرغبة لا يبدو أنها متوفرة الآن.
لا تريد الولايات المتحدة للتنظيم أن ينتهي، فمنذ الانسحاب الغبي الذي قاده الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من العراق مطلع عام 2011، وترك البلاد نهباً بالكامل لإيران وميلشياتها وأحزابها، وواشنطن تدفع ثمن هذا القرار. فكيف لأميركا التي قاتلت واحتلت وأسقطت نظام صدام حسين، وأنفقت أكثر من ثلاثة ترليونات دولار، ودفعت نحو خمسة آلاف جندي قتلوا، بالإضافة إلى مئات آلاف الجرحى، أن تخرج من العراق خالية الوفاض؟

هذا ما جرى عقب الانسحاب من العراق، وهو أمر كان يؤرق الساسة الأميركيين، خصوصاً بعد أن تحول العراق إلى قاعدة ومنطلق لإيران ومليشياتها في طريق سيطرتها على المنطقة بالكامل، وشاهدنا كيف صارت بغداد والنجف وكربلاء تجند الشيعة العرب وغيرهم.
لا تريد أميركا، اليوم، لداعش أن ينتهي بسرعة، تريد أن يضغط أكثر على بغداد، أن يجعل ساستها يشعرون بالخوف، فإيران، وعلى الرغم من كل ما قدمته من مساعدات ودعم، بشري وعسكري، لا يبدو أنها قادرة على التعامل مع هذا التنظيم، ولعل رؤية جنائز الحرس الثوري وهي تفد إلى طهران قادمة من العراق وسورية دليل على ذلك.

تعطي أميركا جرعاتها لحكومة حيدر العبادي في حربها مع التنظيم بالقطارة، فيتم إرسال مستشارين تباعا، مرة 300 ومرة أخرى 450، وتارة بمشاركة الأباتشي وتارة لا وهكذا، فهي لا تريد أن تحقق نصراً حاسماً على التنظيم، كما أنها لا تريد للتنظيم أن يصل إلى بغداد. تريد من خلال تنظيم الدولة أن تستعيد وجودها في العراق، فالمنطق يقول إن الطيران الأميركي قادر، بحكم وجوده الذي لا ينقطع في سماء العراق، أن يقصف كل شاردة أو واردة للتنظيم، ولعل بعضهم يعرف أسرار الطريق بين العراق وسورية في بعض المناطق التي يستعملها التنظيم للنقل والتنقل. ودخول أميركا الحرب بقوة ضد التنظيم في العراق سيؤدي، على ما يبدو، إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في هذا البلد الذي قال عنه ابن خلدون، يوماً، إن من يحكم بغداد يحكم جهات العالم الأربع.

 

أميركا غير معجلة من أمرها، إنها تراقب، وخسائر حكومة العبادي ومليشياتها وإيران تفوق كل تصور، ولا يبدو أن هذا التحالف العراقي الإيراني قادر على المطاولة. ستأتي أميركا، يوماً، لتقضي على داعش، ذاك ما تخطط له، ولديها قناعة كاملة بأنها قادرة على إنهاء التنظيم في الوقت الذي تريد، وبالطريقة التي تريد، بعد أن تكون قد حققت ما تريد، وعادت إلى العراق بطريقة أفضل من التي دخلته فيها عام 2003 وبخسائر أقل، وهذا هو المهم.

السؤال الان، هل فعلا لدى أميركا القدرة على أن تقضي على تنظيم الدولة، بعد أن تحول إلى قوة، وبات يحظى بشعبية، ليس في المناطق التي تحت سيطرته وحسب، وإنما في عموم دول العالم؟ ثم هل تملك أميركا، ومعها الغرب، القدرة للسيطرة على نحو 30 ألف مقاتل من مختلف دول العالم، تدربوا وقاتلوا في العراق وسورية، بعد أن يعودوا إلى بلدانهم؟ 

تعليقات