هل تعتدل السياستان الروسية والإيرانية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/9/2014
العرب اللندنية

الأحداث التي مرت على المنطقة، تفرض على روسيا وإيران اتباع سياسة أكثر اعتدالا، لتعيد روسيا دولة تنتهج سياسة عادلة تجاه القضايا الدولية، كما تعيد إيران دولة شرق أوسطية دون طائفية.

من المفروض أن يكون الموقفان الروسي والإيراني من الأزمة السورية قد تغيّرا في الفترة الأخيرة، وذلك بسبب تزايد المصاعب والتهديدات أمامهما، وتغيّر الشروط الموضوعية القائمة في سوريا وفي المنطقة وفي العالم والتطورات الأخيرة التي حصلت.

حدثان هامان واجها السياسة الروسية في الفترة الأخيرة لكل منهما آثار سلبية فائقة الصعوبة على السياسة الروسية: الأزمة الأوكرانية، وإعلان دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، ومن المنطقي أن يدفعاها لتغيير سياستها لتخفيف نتائجهما.

فوجئت السياسة الروسية بموقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة الحازم تجاه سياستها في أوكرانيا على عكس ما كانت تتوقع، بعد أن افترضت أن الموقف الغربي من أوكرانيا سيكون كموقف الغرب من الأزمة السورية، أي مجرد كلام وتهديدات دون فعل حقيقي، ولكن الذي حصل تجاه أوكرانيا مواقف غربية حازمة، عبّرت عن نفسها بالعقوبات الاقتصادية المتتالية ضد روسيا والتي لم تنته بعد، وبدعم الحكومة الأوكرانية الجديدة، وبمقاطعة روسيا برفض حضورها بعض المؤتمرات المشتركة، بل وبالتهديد بدخول حلف شمال الأطلسي لأوكرانيا ودول البلطيق، مما أدى إلى الضرر بروسيا اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وداخلياً، وإعاقة انطلاقتها التي تحققت في العامين الأخيرين وتحجيم مطامح الرئيس بوتين غير المحدودة. أي أن الموقف الغربي حجّم السياسة الروسية ووضعها في موقعها الأكثر واقعية وتواضعاً.

أما الأمر الثاني، وأعني قيام دولة (داعش) في العراق وبعض سوريا، فقد أكّد احتمال الخطر على روسيا، ذلك أن دولة (داعش) لا تحتاج الآن إلى قفزة واحدة من العراق لتصل إلى القوقاز، وتقيم دولة هناك، خاصة وأن القوقاز منطقة حاضنة لمثل هذه الحركات وأن كثيراً من الشيشانيين يشاركون مع مقاتليها الآن، وقد هددوا الرئيس بوتين بشريط فيديو وقالوا له إنهم قادمون، ولاشك أن السياسة الروسية تدرك المخاطر من مثل هذا التحرك المحتمل، خاصة وأنها لن تجد من الغرب سوى المراقبة باعتبارها كانت تشجع العنف طوال ثلاث سنوات في سوريا مما أطال الأزمة وولّد (داعش) وأمثالها.

لاشك أن المبتدئين بالسياسة الروسية يدركون مثل هذه المخاطر ويحسبون ألف حساب لها، وعلى ذلك فمن المتوقع أن تكون روسيا أكثر اعتدالاً تجاه الأزمة السورية ومشاركة في البحث عن حل لها، خاصة وأنها لاقت في الشهر الأخير صعوبات أمام وصول مساعداتها إلى الروس الأوكرانيين، تماماً كما كانت تضع العراقيل أمام وصول المساعدات إلى الشعب السوري، ولعلها اتعظت، ومن المفروض، على أي حال، أن تقود هذه الظروف السياسة الروسية إلى الاعتدال تجاه الأزمة السورية وتغير وسائلها وربما أهدافها.

تواجه السياسة الإيرانية بدورها مخاطر عديدة بعد تغير الظروف الموضوعية في المنطقة في الأشهر الأخيرة، وتقع على رأس هذه المخاطر زيادة الوضع السياسي الداخلي الإيراني تعقيداً، خاصة بعد ممارسة السلطات الإيرانية التطرف في المنطقة واعتمادها النهج الطائفي، ذلك أن 35 بالمئة من الإيرانيين هم من السنّة، و55 بالمئة من غير الفرس، وجميعهم يعيشون تحت القمع والظلم، وعلى ذلك فإن المجتمع الإيراني هو أكثر المجتمعات في المنطقة هشاشة من الناحيتين القومية والطائفية رغم استعراض القوة والعنتريات والمواقف العدوانية، وقد أدت السياسة الرسمية الإيرانية المتطرفة إلى إثارة المشاعر الطائفية والقومية داخل إيران وتراكمت المظالم وأصبح الحال جاهزاً لانطلاق الاحتجاج، هذا إضافة إلى أن الليبراليين الإيرانيين من الإسلاميين يُشكّلون تياراً سياسياً قوياً تؤيده جماهير غفيرة من الشعب الإيراني.

وفي الوقت نفسه فإن الوضع الاقتصادي الإيراني يئن تحت الصعوبات التي يواجهها، سواء بسب العقوبات- الغربية، أو بسبب المساعدات الاستثنائية التي يقدمها النظام الإيراني لسوريا، وأخيراً بسبب رصد أموال هائلة لتطوير السلاح الإيراني النووي وغير النووي، ويُقال، فوق ذلك، إن الولايات المتحدة طمأنت إيران إلى أنها إذا عدّلت سياستها فإن مصالحها في المنطقة لن تُمس، وستبقى دولة قوية إقليمياً على أن تترك النهج الطائفي. وفي الخلاصة فإن هذه التطورات الجديدة كلها توحي للسياسة الإيرانية بضرورة التغيير نحو الاعتدال، والدخول إيجابياً في سياسة دول المنطقة والسياسة العالمية.

بقي أمر في غاية الأهمية لابد أن السياسة الإيرانية شعرت به، وهو مخاطر تحول السُّنة في إيران والعراق وبلاد الشام إلى أنصار لـ(داعش). بعد أن واجهوا ما واجهوه من إقصاء وتهميش وعدم الاعتراف بمصالحهم وحقوقهم، والتصرف الإيراني معهم وكأنهم أقلية، ومن المهم أن تأخذ السياسة الإيرانية العبرة مما حصل في العراق، أي ثورة السُّنة ضد سياسة نوري المالكي، والاحتمال قائم في ثورة عارمة لجماهير السُّنة في بلاد الشام والعراق وفي إيران أيضاً، مما يسبب لإيران خسائر لا حصر لها في مختلف المجالات.

إن هذا وذاك، ومجمل الشروط الموضوعية القائمة الآن، والأحداث التي مرت على المنطقة منذ انطلاقة الربيع العربي، تفرض على روسيا وإيران اتباع سياسة جديدة أكثر اعتدالاً وواقعية، وتقربهما من الجماهير الشعبية، وتخفف مواقف العداء لهما، التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، لتعيد روسيا دولة كبرى تنتهج سياسة عادلة تجاه القضايا الدولية، كما تعيد إيران دولة شرق أوسطية محترمة هي ومصالحها دون طائفية وصلف وعدوان ومطامح غير مشروعة. وما لم يتم ذلك، فإن الآثار السلبية ستتراكم وستواجه الدولتان أياماً لا تُحسدان عليها.